تعديل

الجمعة، 7 أبريل 2017

من فقه القرآن : وراثة الأرض


من فقه القرآن
وراثة الأرض 
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
امام خطيب المسجد الأقصى المبارك
الامين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس

قال الله تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) سورة الأنبياء : 105
فقه الآية الكريمة وفوائدها في المسائل الآتية
المسألة الأولى : الأرض أرضان ، أرض الدنيا وهي التي يعيش البشر عليها ، وأرض الآخرة وهي أرض الجنة .
المسألة الثانية : أرض الدنيا خلقها الله للإنسان لتكون له دار ابتلاء ، وأرض الآخرة وهي الجنة خلقها الله لمن يؤمن به ويعمل صالحا ويتبع دين الإسلام ، فهي دار جزاء .
المسألة الثالثة : وأرض الدنيا خلقها الله للناس جميعا ، فاستخلفها عليهم ، ليعمروها وفق دينه ومنهاجه ، لتحيا البشرية في أمن وسعادة وسلام في ظل منهج الله تعالى ، كما قال عز وجل ( وهو الذي جعلكم خلائق الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم )
المسألة الرابعة : والواجب على الناس جميعا ، أن يعبدوا ربهم بالإسلام ، وأن يلقوا بالمناهج الأرض وراء ظهورهم ، لأن هذه المناهج هي التي تورثهم الفساد وسفك الدماء والجوع والفقر والأمراض ، ولهذا كان تعجب الملائكة  حين أخبرهم الله سبحانه أنه سيجعل في الأرض بشرا (  خليفة ) يعيشون عليها ، فسألوه سبحانه قائلين له :(اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء),وما نراه اليوم من حروب ودمار ,وتآمر على الانسان بقتله وسجنه وطرده وتجويعه انما هو بسبب تنكرهم للهدف الذي خلقوا له وهو عباده الله تعالى ،كما قال سبحانه (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون)
المسأله الخامسه : ولقد جعل الله تعالى الارض وطنا للناس ، فحيثما ولد الانسان ونشأ كانت ارضه ووطنه ،وفي بدايه الخلق كانت الارض لآدم وحواء وذريتهما ، قال الله تعالى لآدم وحواء :( اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم بالارض مستقر ومتاع الى حين)، فالحياه بين الناس على هذه الارض هي حياه صراع بين الحق والباطل ، وبين من يريد تحكيم شرع الله وبين من يريد اتباع الاهواء والشهوات ، وهذا يفهم من حكمه خلق الله للناس ، ومن آيات عديده ، منها قوله سبحانه (بعضكم لبعض عدو).
المسأله السادسه : وبعد آدم وحواء وذريتهما ، صار لكل قوم ارضا تكون لهم وطنا ، وقد كانت مكه المكرمه  ارضا ووطنا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث قال عز وجل( وان كادوا ليستفزونك من الارض  ليخرجوك منها واذا لا يلبثون خلافك الا قليلا) .
المسألة السابعة : وقد أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من أرضه مكة المكرمة ، وقال وهو خارج منها " لولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت " لأن الأرض غالية على المسلم ، ولأنها وطنه التي يعبد الله فيها .
المسألة الثامنة : وكل إنسان يعتدي على الآخرين ، باحتلال أرضهم ، وأخذها بالقوة ، وطردها منهم ، هو عند الله ظالم ، وع
المسألة الثامنة : وكل إنسان يعتدي على الآخرين ، باحتلال أرضهم ، وأخذها بالقوة ، وطردها منهم ، هو عند الله ظالم ، وعلى المظلوم ينتصر لأرضه ، وأن يعمل لاسترداد حقه بالرجوع إلى داره وأرضه التي أخرج منها ، وهذا قرار من رب العالمين حيث يقول عز وجل ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع صلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) .
المسألة التاسعة : وجعل الله الحق للمسلمين أن ينعموا بأوطانهم ، وأن يقيموا فيها شعائر دينهم ، لأن هذا هو واجبهم حين يملكونها ، ويأمنون عليها من الأعداء ، وقد قال الله تعالى ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) .
المسألة العاشرة : وإذا أردنا أن يثبتنا الله فوق أراضينا ، ويطرد عنها الأجنبي المحتل ، فما علينا إلا أن نتصف بالصفات الأربعة المذكورة في الآية السابقة ، وهذه الصفات هي :
الأولى : الأمر بالمعروف
الثانية : النهي عن المنكر
الثالثة : إقامة الصلاة
الرابعة : إيتاء الزكاة
والثالثة والرابعة هما أول ما يكون من المعروف بعد الشهادتين
ونحن في أرضنا مقصرون في هذه الأربعة ، وبخاصة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولو فهمنا المعنى الحقيقي لهما ، وجزاء الأمر وعاقبة النهي ، لعلمنا لماذا نعيش فوق أرضنا وفي وطننا مغربين مضطهدين كالغرباء .
المسألة الحادية عشرة : قوله تعالى ( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) المقصود بالصالحين هنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال سفيان الثوري : هم أهل الصلوات الخمس ، ولهذا ذكر الله بعد هذه الآية قوله عز وجل ( إن في هذا لبلغا لقوم عابدين ) ليؤكد أن الأرض لا يرثها إلا من كان عابدا مطيعا لربه ، وقال ابن عباس : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان .
المسألة الثانية عشرة : وفي معنى الأرض في قوله تعالى ( إن الأرض يرثها .. ) أقوال لأهل التأويل وهي :
القول الأول : أن الأرض المقصودة في الآية الكريمة هي أرض الجنة ، وقد رجح القرطبي في تفسيره هذا القول ، فقال : أحسن ما قيل أنه يراد بها أرض الجنة كما قال سعيد بن جبير ، لأن الأرض في الدنيا قد ورثها الصالحون وغيرهم ، ودليل هذا التأويل قوله تعالى ( وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث يشاء )
القول الثاني : أنها الأرض المقدسة ، أرض فلسطين ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما
القول الثالث : أنها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالفتوح . والقول الثالث أكدته فتوحات المسلمين من قبل لبلاد فارس والروم وغيرها ، حين أخرجوها من الضلال إلى الهدى ، ومن الكفر إلى الإسلام ، وهذه  هي سنة الله مع أهل الإسلام ، أن يعيشوا في الأرض آخذين بسنة ( الدفع والمرافقة ) لدحر الظالم ، ونصرة المظلوم ، وإبطال الباطل ، وإظهار الحق ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( ولن تجد لسنة الله تحويلا )
المسألة الثالثة عشرة : وهذا الذي قلناه آنفا ، هو قدر الله في البشرية الذي كتبه في الزبور كما قالت الآية ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ) .. والمقصود بالزبور في الآية الكريمة التوراة والإنجيل والقرآن ، وهو سعيد بن جبير ، والمقصود ( بالذكر ) اللوح المحفوظ ، فوراثة الأرض التي في الدنيا سيكون للمسلمين ، والله تعالى يقول ( والعاقبة للمتقين ) ووراثة الأرض التي في الآخرة وهي الجنة ، ستكون للمسلمين من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ..
المسألة الرابعة عشرة : وعليه يمكن أن نبين حال المسلمين على الأرض في الدنيا بما يلي :
أولا : أنهم في اختبار وابتلاء مع أعدائهم
ثانيا : أنهم يذمون ويبتلون في أراضيهم طردا وقتلا ونفيا حين يبتعدون عن دينهم والعمل بأحكامه
ثالثا : أنهم في أوطانهم وأراضيهم يعيشون بين الإستقرار وعدمه ، بحسب بعدهم أو قربهم من ربهم ودينهم
رابعا : أنهم مطالبون بالصبر والثبات
خامسا : أن مصدر سعادة البشرية يكون بعلو المسلمين في الأرض ، ومصدر شقائها يكون بقدر استضعافهم .
سادسا : أن ما يجري لنا على أرضنا ، وما يحصل مع المسلمين في كافة أرجاء الأرض هو قدر مكتوب .
المسألة الخامسة عشرة : وبمناسبة يوم الأرض فعلينا نحن أهل فلسطين واجبات عديدة غير الذي أسلفنا ذكره وبيانه ، وأهم هذه الواجبات :
أولا : المحافظة على الأرض وعدم تسريبها للاحتلال بأي نوع من أنواع التسريب ، سواء كانت أرض فرغة من العمران ، أو أرض عليها عقارات .
ثانيا : مقاطعة كل من يعتدي على الأرض بالتفريط فيها وهذه أقل عقوبة له .
 ثالثا : إحياء الأرض بالعمران إن أمكن ،وإلا   فبزراعتها ،وخير ما يأكل الإنسان من زراعة يده وفي أرضه.
رابعا : بيع الشقق السكنية بربح ومعقول ,هذا الكلام موجه خصيصا لتجار العقارات من أبناء القدس ، وليس من التقوى والدين ومن الوطنية في الوقت الحاضر بيع الشقق السكنية بمئات الآلآف من الدولارات وبربح مضاعف ،فهذا يزيد من غربة القدس ،وفرص تهويدها .
 
خامسا: وحدة أبناء الشعب الفلسطيني مهما اختلفت أفكارهم واتجاهاتهم ، فأقل ما تريده الأرض منهم في هذا الوقت وحدنهم ليحافظوا عليها.


من فقه القرآن : عقد النكاح (2)


من فقه القرآن 
عقد النكاح (2)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس
www.algantan.com
 

قال الله تعالى:" ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن...ألخ الآية " سورة البقرة 121

فقه الآية الكريمة وفوائدها في المسائل الآتية:

المسألة الأولى: باتفاق العلماء فإنه  يحرم النكاح من المشركات ،وإذا نكح مسلم مشركة فلا يجوز استدامة إمساكها في عصمته لآن النكاح باطل ، وكذلك يحرم زواج المسلمة من كافر ومن الأدلة على هذا التحريم قول الله تعالى :" لا هنّ حل لهم ولا هنّ يحلون لهنّ"، ومن المصائب التي تدل على جهل بعض المسلمات وضعف إيمانهن زواجهن من الكفار ، وهي مصيبة مردودها  وخيم على المسلمات في الدنيا وفي الآخرة .

المسألة الثانية: نكاح المسلم الكتابة الباقية على ملتها فيه أقوال أرجحها والله أعلم الجواز مع الكراهة ،أما الجواز فلأن الله قال في سورة المائدة " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان" ، وأما الكراهة فللأسباب الآتية:أولا:وذلك حتى لا ينكح المسلم المومسات من الكتابيات فهذا لا يليق به ولا ينبغي له، والذي يبدو لنا في هذا الزمان أن الزنا عند الكتابيات لا حرج فيه مع حرمته في شريعتهن ، وقد أمر عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان بتطليق كتابية تزوجها ،فسأله حذيفة: أحرام ؟ قال عمر : لا ، ولكن أخشى نكاح المومسات منهن ، ثانيا : أن من حكم إباحة نكاح الكتابية هو رجاء إسلامها ، وهذه الحكمة معدومة مطلقا في زماننا ، وكم من مسلم تزوج من كتابية وبخاصة الأوربيات ثم أغرت زوجها بضلالها فترك دينه أو كاد بسلوكه المخالف لشرائع الإسلام بل وأخذت أولادها منه وهربت إلى بلادها أو رفعت أمرها إلى القضاء وأخذت أولادها منه عنوة وربتهم على دينها وأخرجتهم من دين الإسلام .ثالثا: أن الكتابية تربي أولادها على تعاليم دينها ولها تأثير عليهم أكثر من أبيهم بصفتها أم ،  وكذلك تغذوهم بما هو محرم في شريعة الإسلام ، وهذا كله حرام لأن الواجب تربية الأبناء على تعاليم الإسلام وعلى آدابه ، رابعا : أن المسلمين اليوم يعيشون في حالة ضعف شديد بين الأمم وهم تبع لها ويقلدوهم في كل شيء ، وأن  نكاح المسلم للكتابية في دار الإسلام يختلف عن نكاحها في مثل أوضاعنا ، ففي دار الإسلام لا نخاف على الأولاد منها بل ونرجو إسلامها ، وأما اليوم فالأمر خطير وفيه ضياع للزوج ولأولاده منها .

المسألة الثالثة: نكاح الكتابية الحربية حرام ، والكتابية الحربية هي النصرانية أو اليهودية التي بيننا وبينهم حرب وقتال فهذه من أهل الحرب ويحرم الزواج منها مطلقا وهي على هذه الحالة وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وبه أقول أيضا ،لأن مآلاته على المسلمين  فيه ضرر كبير ،فهي لا يؤمن جانبها ، وربما يعطي من تزوجها ولاءه لأهل الحرب من الكتاب ، ولأن أبناءه منها  سيظلون على دينها بحكم الواقع والقانون الوضعي ، فلكل هذه المآلات  وغيرها التي كلها شر محض يحرم على المسلم نكاح الكتابية الحربية ، وعلى المسلمين التحذير من هذا والتناهي والبعد عنه  .

المسألة الرابعة :قوله تعالى " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا" فيه دليل على بطلان النكاح من غير الولي ،فالولي شرط في صحة عقد النكاح لهذه الآية الكريمة ولعديد الأدلة النقلية ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم " لانكاح إلا بولي" ,ولقوله أيضا:" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل"، وعليه فإن من صور الزواج العرفي  النكاح بغير ولي ،فهذا النكاح باطل ،ويجب على الفور التفريق بينهما ، ونحذر الفتيات من مغبة التغرير بهنّ ممن لا أخلاق ولا دين عنده من الشباب.

المسألة الخامسة:والحكمة من اشتراط الولي في النكاح كله راجع لمصلحة المرأة ، فالمرأة تحفظ كرامتها عندما تكون مطلوبة لا طالبة للزوج ، وتحفظ مصلحتها من التغرير بها بالزواج من غير الكفؤ أو بأقل من مهر المثل ،وإذا تزوجت بغير الكفؤ كان الزواج عارا عليها وعلى أهلها ، وكذلك إذا تزوجت بأقل من مهر مثيلاتها فإنها تعيّر بهذا هي ووليها وأهلها ، والولي في الشريعة الإسلامية ليس كما تظن بعض النساء أنه لإجبارها على الزواج بل الولي هو لإرشادها ونصحها باختيار من ستعيش معه عمرها فهي ولاية إرشاد لا ولاية استبداد .

المسألة السادسة:قوله تعالى "ولأمة مؤمنة خير من مشركة" ليس المقصود بالأمة هنا المرأة المسلمة الحرة بل المقصود الأمة التي هي الرقيق  غير الحرة ، والمعنى أن المسلمة ولو كانت أمة أفضل من الحرة المشركة ،وإن كانت المشركة الحرة يرجى منها نفع دنيوي فإن ما يرجى من المسلمة الأمة التي هي دون الحرة منزلة أفضل وخير لأن ما يرجى منها هو نفع ديني وأخروي .

المسألة السادسة : وإذا كانت هذه الخيرية حاصلة من نكاح أمة مسلمة  غير حرة ،فإن الخيرية أيضا تكون في زواج المسلم من امرأة مسلمة ذات خلق ودين بغض النظر عن جمالها ومالها وحسبها ، وهذا حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:" تنكح المرأة لأربع :لمالها ولجمالها ولحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك"، لأن الزواج من ذات الدين يبقى أثره  النافع في الدنيا والآخرة فهو نفع دائم ،أما الجمال والنسب والمال فهو نسبي فقد تكون جميلة ثم تصبح دميمة مع تقدم العمر وقد تكون ذات مال أو نسب فيزول المال ويذهب النسب لفعل مشين يقوم به بعض أفراد العائلة .

المسألة السابعة:قوله تعالى :"أولئك يدعون إلى النار" يعني المشركين والمشركات يدعون إلى أسباب النار والمسلم مأمور باجتناب كل فعل وقول يؤدي إلى النار ،وهذا أيضا من حكم تحريم النكاح من المشركات كما ذكرت ابتداء في هذا المقال ، والعاقل من يتقي النار ويجتنبها ويبعد عن أسبابها ولو كان في هذه الأسباب نعيم وخير له في الدنيا فإن هذا النعيم والخير يقابله العذاب والشر والخزي والعار في الآخرة.
نسأل الله العفو والعافية والحمد لله رب العالمين


الأحد، 19 مارس 2017

خطبة الجمعة 17-3-2017 للدكتور الشيخ محمد سليم محمد علي من المسجد الاقصى المبارك


خطبة الجمعة 17-3-2017 للدكتور الشيخ محمد سليم محمد علي من المسجد الاقصى المبارك




خطبة الجمعة مكتوبة 17/3/2016م أهمية الشباب

خطبة الجمعة
أهمية الشباب
17/3/2016م
الحمد لله حمدا طيبا مباركا كثيرا كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه حتى يرضى ربنا وبعد الرضا وإذا رضي ...سبحانه هدانا لدينه فله الحمد ...سبحانه جعلنا مرابطين فله الحمد ...سبحانه رزقنا الغدو والرواح إلى المسجد الأقصى فله الحمد...أنا ماذا أكون أنا ...بلا أقصاي أو ديني ...لإسلامي أعيش أنا ...  ليحكم في الورى ديني...وصوت مؤذن الأقصى   إلى الفردوس يدعوني... نشهد أن لا اله إلا الله وحدة لا شريك الملك الذي يدوم ملكه ولا يزول ...الحكم العدل الذي لا يظلم ولا يجور... اللهم إنا رضينا بك ربا فاشهد ...ورضينا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ونبيا
 
فاشهد... ورضينا بالإسلام دينا فاشهد ...ورضينا بالقرآن دستورا ومنهاجا فاشهد... ورضينا بالمسلمين إخوانا وأحبابا وأنصارا وأعوانا فاشهد ... ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ...البشير النذير... والسراج المنير...أمن بالإسلام ودعا إليه شابا وشيخا ...أعزنا الله به بعد الذلة ... وجمعنا به بعد الفرقة... يا رسول الله اشتد ظمؤنا إلى  لقياك وطار بنا الشوق إلى رفقتك في الفردوس الأعلى ... فارزقنا اللهم سقياه على الحوض ...وارزقنا الاجتماع به في جنات النعيم ...اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الطاهرين... وعلى أصحابه الذين نصروا الدين ...وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان ... وصل اللهم على كل من يشد الرحال إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه ...وصل يا ربنا على كل شاب مسلم  مرابط في بيت المقدس وأكنافه إلى يوم القيامة...أما بعد أيها المسلمون...  الشباب في عصر الصحابة والتابعين أرادوا النصر لدينهم فانتصروا ... وأرادوا العزة لأنفسهم فعزوا ...لأنهم عرفوا طريقهم وهو اتباع القرآن والتزام هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيمهما في شؤونهم وواقع حياتهم ... شباب ذللوا سبل المعالي ... وما عرفوا سوى الإسلام دينا...شباب لم تحطمه الليالي...ولم يسلم إلى الخصم العرينا...وما عرفوا الأغاني ماجنات... ولا عرفوا التخنث في البنينا... كذلك أخرج الإسلام قومي...شبابا مخلصا حرا أمينا...أيها المرابطون يا أبناء الإسلام العظيم ... لماذا بعض شبابنا  اليوم منغمس في الشهوات ويركض وراء الضلالات؟؟؟ لماذا بعض شبابنا يرفض منهاج الله ويقبل شرائع الإنسان الظالمة ؟؟؟ لماذا بعض شبابنا يضيع هويته الإسلامية بالولاء للكفار والنفاق في الدين؟؟؟ أما آن أن يكون فينا شباب كمصعب بن عمير ذلك الشاب الوسيم الذي ترك الغني والدلال ليحمل الإسلام على عاتقه ؟؟؟أما آن أن يكون فينا شباب كأسيد بن خضير ذلك الشاب الذي حفّته الملائكة وهو يتلو كتاب الله تعالى ؟؟؟ وعبد الله بن الزبير ذاك الشاب الصوّام القوام

!!!أنسيتم أيها الشباب أنكم عماد ديننا ... وأمل أمتنا.. بكم نصول وبكم نجول ...وبكم ننهض  من كبوتنا... ونقوى بعد ضعفنا ...ونعز بعد ذلنا ...فالله الله في إسلامكم... الله الله في شعبكم وأرضكم وقدسكم وأقصاكم وشعائر دينكم !!! فصلاح الدين شاب هزم الصليبين ...وقطز شاب دحر التتار... ومحمد بن القاسم الثقفي شاب فتح السند ... أيها المؤمنون ...يرفع العالم اليوم  بيد واحدة سكّينه على الإسلام ...ويضعها على جيده ليذبحه من الوريد إلى الوريد ... بحجة أن الإسلام  إرهاب وهم صنّاع الإرهاب  ،  يقتلون المسلمين ويسجنوهم ويطاردوهم  ويدمرون بيوتهم ...ويفسدون في الأرض ويعلون  بالباطل ،إنهم سبب خراب العالم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وتربويا ،إنهم يحاربوننا في شعائر ديننا ،في أذاننا ومساجدنا وصلواتنا وأقصانا وفي لباسنا الذي ارتضاه الله لنسائنا ... فيا رجال الإسلام ويا شبابه...كونوا كإبراهيم عليه السلام... ذلك الشاب الفتي الذي حطم الأصنام وأنكر على قومه كفرهم ...وقال لهم بصوت المؤمن الواثق من دينه وربه :"أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون"...يا شباب بيت المقدس وأكنافه... ألا تحبون أن تكونوا كيوسف عليه السلام ...رفض الفاحشة وهرب منها ...ولجأ إلى ربه داعيا وقائلا:"رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وألا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين"... فحذار من التساقط الأخلاقي يا شبابنا ...فإنه طريق إلى التساقط الأمني... وكلاهما طريق إلى خزي في الدنيا وعذاب الآخرة... فتمسكوا بدينكم ليصرف عنكم ربكم كيد الكائدين... كونوا يا شباب المسلمين كموسى عليه الصلاة والسلام فلا تلاحقوا أخواتكم المسلمات ولا تؤذوهن من خلال الهواتف النقالة  وغيرها... حافظوا على أعراضهن  فهنّ أعراضكم وأنتم

من يدافع عنهن ...وهذا موسى عليه السلام"يغار على فتاتين لأنهما لا تريدان مزاحمة الرجال من أجل سقيا الماء ..."فسقى لهما ثم تولى إلى الظل وقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير"...وأما أنتن أيتها الشابات وأيتها المسلمات ففي عائشة وحفصة وأسماء ومريم البتول قدوة لكنّ جميعا ...فهذه مريم المرأة الشابة المرابطة في المسجد الأقصى ...والعابدة الطائعة لربها ...الساجدة العفيفة المرضيّة ... امتدحها ربها فقال فيها:"ومريم انبت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين"...فحاربن التبرج والسفور والخلاعة والمجون..."و لا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة واتقين الله ورسوله" يا شبابنا، يا مسلمون... عليكم بالجد والاجتهاد ... حاربوا الميوعة والدعة والانحلال ،وانشأوا في طاعة الله ... واهرموا في عبادته...فمن نشأ في طاعة الله  في الدنيا كان في ظله يوم القيامة،واجعلوا استمتاعكم بشبابكم وحياتكم بقراءة القرآن وطاعة ربكم ... نريدكم كمؤمن آل فرعون  رجل قام بواجبه ...وأنكر طغيان فرعون وجنوده ، وقد جاء في الحديث الشريف:" يعجب ربك من شاب ليس له صبوة" ... وقد أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن نغتنم خمسا قبل خمس وذكر منها:"وشبابك قبل هرمك"...لأن فترة الشباب من أوائل ما يسأل عنه المرء يوم القيامة فقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع وذكر منها "وعن شبابه فيم أبلاه" فتذكروا أنكم موقوفون بين يدي رب عظيم يسأل عن الكثير والقليل ...والكبير والصغير... فأدوا ما عليكم تجاه دينكم وأمتكم ومجتمعكم ......واعرفوا مكانتكم فالزموها ...

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال:"يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا"...اللهم اهد شباب المسلمين ...اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم... وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان إنك أنت العليم الحكيم... اللهم احفظ شبابنا بحفظك وارعهم برعايتك واكلأهم بعنايتك ...واحرسهم بعينك التي لا تنام فإنك أنت خير حافظا وأنت ارحم الراحمين...وأنتم يا عباد الله استغفروا الله فإنه غفور رحيم وادعوه وأنتم موقنون بالإجابة...

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ، لا ربّ لنا سواه ، ولا نشكو ضعفنا إلاّ له  ، اللهم أنت  حسبنا ومولانا ونعم الوكيل ، نشهد أنك لا  إله  إلا أنت ، سبحانك إنا  تبنا إليك ، وإنا من المسلمين  ، ونشهد أن محمدا عبدك ورسولك ، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ،اللهم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ،أما بعد:.. يا مسلمون يا مؤمنون...إن شعبنا الفلسطيني... في أمس الحاجة إلى ترتيب بيته السياسي والاجتماعي والتربوي في ظل الهجمة المبرمجة والشرسة التي يتعرض لها ، فرتبوا

 بيتكم الفلسطيني ...على اتباع شرع الله ...وعلى الوحدة والاعتصام بحبل الله المتين... وتمسكوا بثوابتكم التاريخية والدينية ، فالقدس أرض عربية إسلامية ، والمسجد الأقصى لا حق لغير المسلمين فيه ، فالله سماه في القرآن مسجدا ، وأمر ببنائه مسجدا للمسلمين  قبل أن يكون على هذه الأرض أحد من اليهود ...واليهود الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم  يعترفون أن المسجد الأقصى للمسلمين فعندما تحولت القبلة منه إلى المسجد الحرام قالوا :" ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها"،فكيف يدعون اليوم غير ذلك ...ولهذا  وعد الله من يعتدي على المسجد الأقصى بالخزي والعار والعذاب فقال سبحانه:" ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم "...يا مرابطون...إن المسجد الأقصى والقدس من أهم ثوابتنا الدينية والتاريخية  ولا نرضى  المساس بهذه الثوابت أو التفريط فيها... وإن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام...وفريضة من فرائض الدين ...يجب على المسلمين إظهارها وإعلانها والحفاظ عليها تعبدا لله تعالى... والأذان يزعج الشياطين ويخيفهم ... وأما من يؤمن بالله فلا يزعجه الأذان ولا يخيفه ...وإن المسلمين على هذه الأرض يزعجهم كل ضلال وباطل ومنكر وشر ويرجون رحيله وانصرافه... وإن المسلمين على هذه الأرض يزعجهم ولا يرضيهم ...كل   تدخل سافر في مناهجهم التعليمية وحياتهم الدراسية...فنحن لنا قيمنا وثقافتنا ومنهاجنا ولا نسمح لغيرنا التدخل فيه ..وقبل ذلك وبعده فإن كل تدخل من الاحتلال في شؤون المسجد الأقصى... في أبوابه وفي  رحابه الطاهرة وفي كل جزء منه ... نرفضه ولا نرضاه ونستنكره ... ونستنكر ولا نرضى الاقتحامات اليومية الاستفزازية ...
 

ونستنكر منع  دائرة الأوقاف من القيام بأعمال الترميم والصيانة ... ونطالب الأمتين العربية والإسلامية بالعمل الجاد على منع الاعتداءات على المسجد الأقصى وعلى موظفيه ...وبالقيام بواجبهم الديني والتاريخي والسياسي تجاه قبلتهم الأولى ونقول لهم كفاكم خذلانا لقدسنا وأقصانا ...    أيها المسلمون يا شبابنا...  حافظوا على وجودكم وثباتكم ... والزموا الصلاة في المسجد الأقصى ...وكونوا يدا واحدة ولا تتفرقوا ..." ... إياكم من الاقتتال أو الانشغال بأنفسكم..الوحدة الوحدة على نهج الله وشرعه وكونوا كما أمركم رسولكم صلى الله عليه وسلم أن تكونوا عباد الله إخوانا ...فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه "...فاللهم ألف بين قلوبنا ، وأصلح ذات بيننا ، واجمع على الحق صفنا ، اللهم نفس كرباتنا وكربات  المسلمين في كل مكان ، في سوريا والصومال وبورما وفي كل البلدان ، اللهم أنت حسبنا وحسب أقصانا ونعم الوكيل ، اللهم اجعل بلاد الشام عامرة بالإسلام والمسلمين ، وأخرج منها الظلم والظالمين ، واجعلنا من أوليائك وعبادك الصالحين ، اللهم اجعل لنا ولكل المسلمين من كل ضيق فرجا ، ومن كل همّ مخرجا ، ومن كل بلاء عافية ، يا ربنا يا الله أتمم علينا  وعلى ذرارينا نعمة الرباط في المسجد الأقصى ،واحفظ لنا قدسنا وأقصانا من اعتداء الظالمين ،اللهم رد كيدهم إلى نحورهم ، واجعل هزيمتهم وزوالهم في تدبيرهم ،اللهم كن مع الأسرى والمحاصرين ، أطلق سراحهم وفك حصارهم ، اللهم واغفر لنا ولوالدينا ولمن لهم حق علينا ، ولإخواننا ولأخواتنا ولأبنائنا ولزوجاتنا ولبناتنا  ولموتانا وموتى المسلمين ، وارزقنا حسن الخاتمة ، وأدخلنا جنات النعيم ، وأنت يا  أخي الكريم يا مقيم الصلاة أقم الصلاة ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ).


أعلى النموذج
أسفل النموذج

من فقه القرآن : عقد النكاح (1)


من فقه القرآن
عقد النكاح (1)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس

قال الله تعالى:"وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" سورة البقرة(221)
فقه الآية الكريمة وفوائدها في المسائل الآتية :
المسألة الأولى: الآية الكريمة فيها نهيان يتعلقان بنوع واحد من الأنكحة وهو النكاح من المشركين والمشركات ، وفيها إغراء لمن يرغب في نكاح المشركات أو ترغب في نكاح المشرك بخيرية المسلم والمسلمة على غيرهما من أهل الشرك ، وبيان عواقب هذه الخيرية وهي الفوز بالمغفرة والجنة ببناء الأسرة على اتباع أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه ، و الخطاب في بداية الآية الكريمة للمسلمين وأما في نهايتها فشمل الناس جميعا لأنها تتحدث عن علاقة المسلم والمسلمة بغيرهما من غير المسلمين ، فجاءت تبيانا لحكم نكاح المسلم للمشركة أو نكاح المسلمة للمشرك وتذكيرا لهم جميعا كي يعرفوا ما ينفعهم وما يضرهم في الدين والدنيا والآخرة .
المسألة الثانية:والآية الكريمة تنهى عن نكاح المسلم المشركة ونكاح المسلمة المشرك ، والمقصود بالنكاح هنا "عقد الزواج" لآن لفظ النكاح في لغة العرب يطلق على العقد على المرأة فهو حقيقة في العقد، وبعض الفقهاء أطلقه على الوطء كالشافعية ولكنه قول ضعيف ، فهو يستعمل في الوطء كناية ،وورد لفظ النكاح في القرآن بمعنى العقد ، وحتى في قوله تعالى :" فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره " وهو هنا المطلقة ثلاثا التي لا يحل لمطلقها الزواج منها ثانية إلا بعد الزواج من آخر ووطئها فإن لفظ النكاح هنا بمعنى العقد وليس الوطء وأما شرط البناء بالزوجة حتى تحل لمطلقها إن طلقها الزوج الثاني فهذا بينته السنة النبوية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ".
المسألة الثانية: وعقد النكاح له أحكامه وآثاره ،ومن الأمور التي ينبغي التنبيه لها هنا ما يلي: أولا: أن عقد النكاح يفرق بينه وبين السفاح فأي علاقة بين رجل وامرأة من غير عقد تكون سفاحا أي زنا ،ثانيا: إذا كان العقد غير صحيح فهو عقد باطل أو فاسد ، أما العقد الباطل فينبغي التفريق بينهما قبل الدخول وبعده ولا تترتب عليه آثاره قبل الدخول وبعده ، وأما العقد الفاسد في النكاح فيفرق بينهما لكن إذا حصل به دخول ترتبت عليه بعض الآثار مثل ثبوت نسب الولد ، ووجوب العدة على المرأة ، وحرمة المصاهرة ، واستحقاق المرأة للأقل من المهر المسمى أو مهر المثل ،ثالثا:ويكون العقد باطلا في حالات منها : أن يتزوج المسلم بغير كتابية وهو ما نصت عليه الآية التي بين أيادينا،وأن تتزوج المسلمة بغير المسلم لقول الله تعالى :" لا هن حل لهم وهم يحلون لهن" ، ومن حالات العقد الفاسد زواج المتعة والزواج المؤقت ، رابعا : الخطبة من غير عقد تعتبر وعدا ولا تعتبر عقدا وهذا ما يتغافل عنه الناس أو يجهلونه فيتعامل الخاطب مع مخطوبته غير المعقود عليها كأنها زوجته فيخلوا بها ويسافر معها وهذا كله منكر عظيم لأن المخطوبة من غير عقد أجنبية عن خاطبها لا يحل له منها شيء لا نظرة ولا خلوة ولا سفر معها ولا غير ذلك ، ولهذا فإن ما يسمى حفل الخطوبة الذي يقوم به الناس من غير عقد هو من أكبر المنكرات وهو كله مقدمات للزنا فالخاطب يجلس مع خطيبته على المنّصة وهي متبرجة ويرقص معها وغير ذلك أمام الناس والناس يصفقون ويغنون ويرقصون وكل ذلك لا يحل وحرام كيير وعلى الناس أن ينتهوا عنه ،خامسا: وإذا عقد الرجل على المرأة عقدا صحيحا وقبل العرس "الدخلة" خلا بها خلوة صحيحة ثم طلقها فإنها تستحق كامل المهر والنفقة وعليها أن تعتد بمجرد الخلوة الصحيحة وإن لم يحدث بينهما "جماع" أو مقدماته ، فعلى الناس أن يفقهوا هذا الحكم الشرعي ، وعلى الخاطب العاقد على مخطوبته ألا يتعجل بالخلوة بها لما ينبني على هذه الخلوة من الأحكام السابقة ، حيث قضت سنّة الخلفاء الراشدين المهديين أن من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب المهر والعدة والنفقة، سادسا: والخلوة الصحيحة هي" أن يجتمع الخاطب بمخطوبته التي عقد عليها في مكان يأمنان من اطلاع الغير عليهما ولا يمنع فيها مانع من الوطء طبعا ولا شرعا".
المسألة الثالثة: والمرأة لا تستحق المهر إلا بالعقد الصحيح أو الفاسد كما ذكرنا سابقا ، ولهذا لو عدل الخاطب عن الخطبة أو عدلت المخطوبة عنها ولم يكن عقد زواج بينهما وكان الخاطب دفع لها شيئا على حساب المهر فإن عليها أن ترده إليه كله ، وأما هدايا الخطبة فلا ترد إن كان العدول من الخاطب ،وترد الهدايا إلى مخطوبها إن كان العدول منها .
المسألة الرابعة:ومما يحزن القلب ما نراه من الخلاف بين الناس إذا أرادوا إنهاء الخطبة فيطالبون بأشياء حقيرة ويقفون عند أشياء لا ينبغي الوقوف عليها وكأن أهل الخاطبين في معركة مصيرية حياة أو موت ،مع أنهم كانوا قبل الخلاف في محبة وود ، وهذه ليست أخلاق المسلمين ولا عاداتهم ، والمصاهرة قرابة وفي المثل الفلسطيني عندنا " كن نسيب ولا تكن قربب" فلماذا ينسى الناس هذا المثل عند أول خلاف ؟!!
المسألة الخامسة : وعقد النكاح يجب أن يكون صادرا عن الجهة الرسمية في الدولة وهي عندنا المحاكم الشرعية ، وفيه حفظ لحقوق الزوجة وكرامتها وسمعتها وللأولاد، ولا ينبغي لولي امرأة أو امرأة أن يجهلان فيعقدان خارج الحدود الرسمية للعقد .
المسألة السادسة : وقد انتشرت في زماننا أنكحة عديدة هي في جملتها باطلة وينبغي الحذر منها والابتعاد عنها لأنها تقيم العلاقات بين الرجال والنساء على السفاح والحرام ، وهي وسيلة من وسائل هدم الأسرة المسلمة وتخريب البيوت الإنسانية.
المسألة السابعة : وينبغي التنبيه إلى أن النظام العالمي الجديد الذي يزعم نصره للمرأة والوقوف إلى جانب حقوقها أنه يعمل على هدم كيان الأسرة الإنسانية حين أصدر في مؤتمراته العالمية قرارات منها أن الأسرة تجمع بين شريكين ، وهذا نسف للأسرة من أساسها لأن شريكين تعني : رجل وامرأة ،أو امرأة وامرأة ، أو رجل ورجل ،وهذا قمة انحطاط الإنسان المعاصر إذا أخذ به ، ونعوذ بالله العظيم من ذلك كله.
والحمد لله رب العالمين




الجمعة، 3 فبراير 2017

من فقه القرآن : أصول الشريعة في الأمر والنهي

من فقه القرآن
أصول الشريعة في الأمر والنهي

(1)

الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي

 إمام وخطيب المسجد الأقصى  المبارك

الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس

 

 

قال الله تعالى :"  إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"سورة النحل :90

 

  فقه الآية  الكريمة وفوائدها في المسائل الآتية:

المسألة الأولى: هذه الآية الكريمة من أهم آيات القرآن الكريم وذلك للأسباب الآتية:السبب الأول، أنها كما قال عنها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه" أجمع آية في القرآن" ، والسبب الثاني: أمرت بمكارم الأخلاق ونهت عن قبيحها  ، قال قتادة :" ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به في هذه الآية ، وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدح فيه ، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ةمذامّها"، السبب الثالث:لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه سنة 99ه أمر خطباء الجمعة بتلاوتها على المنابر في الخطبة ،وهذا لا يزال متبعا حتى اليوم ،و ذلك لما جمعت هذه الاية الكريمة من معاني الخير والنهي عن أصول الشر ، وهذا ما أراده الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حين أمر بتلاوة هذه الآية  على المنابر في خطب الجمعة حيث كان بعض الناس يسبّون عليا رضي الله عنه ،إذ الآية تنهى عن السبب لأنه من الفحشاء والمنكر ، وفي هذا توجيه لخطباء الجمعة أن يتركوا منكرات الأخلاق في خطبهم كالسب على الأفراد وتجريح الهيئات والناس ، وجعل خطبة الجمعة مكانا  لإظهار الذات وهو مقام ينبغي فيه التواضع والخضوع لله تعالى ، وما أقوله يتضمنه ما جاء في الآية الكريمة من معاني العدل والإحسان  ، السبب الرابع : أن الآية الكريمة جمعت أصول الشريعة الإسلامية حيث أمرت بثلاثة  أمور ونهت عن ثلاثة ،سيأتي تفصيلها لاحقا ، السبب الخامس: ولأهمية هذا الآية وأنها جامعة لكل معاني الخير وناهية عن كل ما هو شر اهتما المفسرين والعلماء بها ومن ذلك ما ذكره  محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير حيث قال :" وفي السيرة الحلبية أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ألف كتابا سمّاه الشجرة بسن فيه أن هذه الآية اشتملت على جميع الأحكام الشرعية في سائر الأبواب الفقهية ،وسمّاه السبكي في كتابه الطبقات "شجرة المعارف.

المسألة الثانية:لما كان  القرآن الكريم هو الكتاب الرباني الأخير المنزل إلى البشر ،فقد بين الله تعالى فيه كل ما يحتاجه المكلفون حيث وصف الله كتابه بقوله :" تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين"،جاءت هذه الآية الكريمة تجمع أصول الهداية في شريعتنا الإسلامية ، وأنها تعود إلى الأمر والامتثال بما أمر الله به وشرعه ، والنهي والاجتناب لما نهى الله عنه وحرمّه وذمّه ، وهذه هي التقوى بمعناها الجامع وهي الامتثال لأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه ومحارمه عزّ وجلّ ، وهذه التقوى التي غفل عنها الناس وهي في مقدورهم وملك أياديهم لو عقدوا النية  على التلبس بها لكانوا جامعين لأصول الهداية ولكانوا في كنف الله تعالى ذي الرحمة والعناية .

المسألة الثالثة: ولكي يحث الله تعالى المكلفين  ويحرضهم على الامتثال والاجتناب لما أمر ونهى ، ولكي يكونوا ملوكا لأنفسهم ولمن حولهم باتباع هذه الأصول المذكورة في الآية الكريمة صدّرها : أولا بحرف التأكيد "إنّ"، كي يهتم المكلف بما تضمنته الآية من توجيهات وأوامر ونواهي، ثانيا: صدّرها أيضا بلفظ الجلالة"الله"وذلك لسببين ، أحدهما : للتشريف ،فمن التزم بما في الآية من أوامر ونواه شرف باتباعها لأنه اتبع أمر الله خالق الخلق ومالك الموجودات  ، والثاني: لأن لفظ الجلالة" الله" يتضمن معنى توحيد الألوهية ، والتي تعني أن لا يعبد وع الله غيره ، وأن الأمر أمر الله ، وأن النهي نهي الله ، فالتشريع لله وحده ، وهذا هو التوحيد الذي جاء الرسل يأمرون الناس به ،وهو اتباع  أوامر الله   والخضوع لها واجتناب نواهيه والحذر من اقترابها واقترافها.


 وإلى اللقاء في الحلقة القادمة ، والحمد لله رب العالمين



Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More