تعديل

السبت، 28 أكتوبر 2017

من فقه القرآن : تفسير سورة الإسراء 3


تفسير سورة الإسراء  :  (3)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس
www.algantan.com
 
 قال الله تعالى :" سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى  الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني اسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا  ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا..."
 فقه الآيات الكريمات وفوائدها في المسائل الآتية:
المسألة الأولى :  إذا ذكر التسبيح فإن الحمد يلازمه ، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون"أتبعها بقوله " وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون" ، ومن الأمثلة من السنّة النبوية حث النبي صلى الله عليه وسلم المسلم على قول "سبحان الله وبحمده :، وأما سورة الإسراء فلما ابتدأها الله تعالى بالتسبيح اختتمها بالحمد فقال سبحانه " وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا"،وذلك كما قلنا لأن التسبيح يقتضي أن يعقبه الحمد ، ولعل الحكمة من هذا هو أنه لما كان التسبيح تعظيم لله تعالى على عظيم فعله الذي يعجز عنه المخلوق ، وتنزيه له سبحانه عما لا يليق به من صفات النقص ، وجب على العبد أن يحمده عزّ وجلّ على هذا كله ، مع ملاحظة أن الحمد يكون على جميل الصفات والأفعال وهو أشمل من الشكر وأعم لأن الشكر يكون على الثناء على المنعم ، وهو داخل في معاني الحمد ، وأيضا لأن الله تعالى لما أقدر العبد على تعظيمه وتنزيهه ، وجب على العبد حمده على نعمة التسبيح له لأنها من أعظم مقامات العبودية لله رب العالمين .
 المسألة الثانية: الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم معجزة من المعجزات التي أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم لتدل  على صدق نبوته وأن القرآن الكريم هو من عند الله تعالى ، ومن الأدلة على أن الإسراء معجزة  أنه كان  بالروح والجسد  وإلا لما بدأت  السورة بالتسبيح فلو كان الإسراء مناما لما  احتاج إلى التقديم لذكره بالتسبيح الدال على عظمة الله تعالى .
 المسألة الثالثة: وللإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم مقاصد وحكم عديدة أهمها: أولا: تكريم ومواساة وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما فقد نصيريه عمه (أبو طالب) وزوجته خديجة رضي الله عنها حيث سمّي ذلك العام الذي  ماتا فيه عام الحزن ، وبعد أن أوذي من قريش   في مكة وثقيف في الطائف أشد الإيذاء فلما فقد  من ينصره على الأرض استضافه الله في هذه الرحلة المعجزة تثبيتا له وتأكيدا على أن الله ناصره ومؤيده بعد عودته من إسرائه ومعراجه وقد تمّ له ذلك بالهجرة بعدها بأشهر إلى المدينة المنورة وتأسيس نواة لدولة الإسلام التي امتدت في أرجاء الدنيا تبشر بهذا الدين العظيم ،ثانيا: للرد على المشركين الذين عبدوا الأصنام  وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم  وزعموا أن القرآن ليس من عند الله تعالى ، فالله القادر على الإسراء بنبيه إلى القدس والعروج به منها إلى السموات العلى هو الأحق بالعبادة من الأصنام ، ومحمد هو رسوله الذي بعثه ، والقرآن هو كلامه الذي أنزله عليه.
المسألة الثالثة :وأما الحكمة من اختصاص المسجد الأقصى بالإسراء إليه وليس لغيره من الأماكن فهي - والله أعلم - : أولا :  حتى تحصل للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة  فضيلة شد الرحال إلى المساجد الثلاثة  فهو صلى الله عليه وسلم يقول :" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا    وهو  صلى الله عليه وسلم قدوة للمسلمين  وإذا قال فعل ، فاختص المسجد الأقصى بالإسراء حتى إذا ما  دعا النبي صلى اله عليه وسلم المسلمين إلى شد الرحال إلى المساجد الثلاثة يكون قد سبقهم بشد الرحال إليه ، ثانيا : لأن الله يعلم - وهو علام الغيوب-  أن بني إسرائيل سيزعمون أن لهم الحق في المسجد الأقصى ،ففي الإسراء إليه بمحمد صلى الله عليه وسلم إبطال لدعواهم وتأكيد على أن المسجد الأقصى هو حق المسلمين وحدهم ، وقد أكد الله تعالى هذه الحقيقة بتسميته بالمسجد ، والمسجد هو مكان عبادة للمسلمين أما غير المسلمين فمكان عبادتهم يسمى كنيسة أو بيعة ، ثالثا: لأن المسجد الأقصى وما حوله أرض النبوات وملتقى الرسل ، فكان الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بصفته آخر الرسل والنيين تأكيد على أن صاحب الولاية عليه هم المسلمون إلى أن تقوم الساعة  ومن يدعي غير هذا فهو ظالم أفّاك ومعتد لا تقبل دعواه ولا يجب أن ينصر أو يلتفت إلى ما يدعيه بل قد حكم الله عليه الخسران في الدنيا والآخرة وذلك حين قال في سورة البقرة :" ومن أظلم ممن منع مساجد  الله أن يذكر فيها  اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم " ،  وقد قال القرطبي في تفسيره " الجامع" أن مساجد الله في الآية هي المسجد الأقصى ، ونلاحظ  المناسبة بين هذه الآية من سورة البقرة وبين أوائل آيات الإسراء ، فآية  سورة البقرة تبين أن بني إسرائيل يسعون لتخريب المسجد الأقصى التخريب المادي والمعنوي ، والآيات الأوائل من سورة الإسراء تتحدث عن هذا التخريب بوصفه "إفسادا " ،رابعا: لأن المسجد الأقصى وأكنافه أرض المحشر كما جاء في الحديث الشريف أنه " أرض المحشر" ، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين عرج به إلى السموات العلى من المسجد الأقصى من نعيم الجنة وعذاب النار فناسب أن يكون الإسراء إلى بيت المقدس ، أضف إلى ذلك أن  بيت المقدس هي محشر بني إسرائيل قبل قيام الساعة ، وهو الحشر الذي هم فيه الان والذي يفسدون فيه الإفساد الثاني وهو وعد الآخرة الذي ذكرته سورة الإسراء فناسب أن يكون الإسراء إلى المسجد الأقصى .
المسألة الرابعة:  قوله تعالى "الأقصى" إشارة إلى  المسجد النبوي ، وأن المساجد التي تشد الرحال إليها في الإسلام ثلاثة وهي : المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي، وهذه الإشارة إلى المسجد النبوي دل عليها أن الأقصى هو الأبعد فهناك إذا مسجد أبعد وهو المسجد الأقصى  ومسجد بعيد وهو المسجد النبوي الذي سيكون بعد ذلك ، فالآية بشرت بوجود المسجد النبوي كما نرى .
 المسألة الخامسة: المسجد الحرام سمّي بالحرام لأن الله جعله مسجد آمنا يحرم القتال فيه ، ونصفه بالحرم ، أما المسجد الأقصى فهو ليس حرما فقد سنّ الله فيه أن يكون أرض قتال ورباط إلى يوم القيامة ، وعليه فإن علينا أن نتوقف عند الأسماء كما هي فلا نقول عن المسجد الأقصى " الحرم " ولا نقول عن حائط البرق "الكويتل" ، ولا نقول عن المسجد الأقصى " هار هبيت ".
المسألة السادسة: لما كان الإخبار عن معجزة الإسراء وهو مقام يقتضي التعظيم نرى أن الله سبحانه عظّم نفسه فقال بصيغة التعظيم "باركنا" و"لنريه " ، ومقام التعظيم لا ينبغي إلا لله تعالى .
المسألة السابعة: قوله تعالى " باركنا" فيه مجموعة من الفوائد وهي: أولا: عب{ بصيغة الماضي عن المباركة ليدل على الثبات والاستمرار والتحقق للبركة في المسجد الأقصى وما حوله ، ثانيا : البركة غير مقيدة ولا محدودة في الآية فهي شاملة لكل أنواع البركة في الدين والدنيا، ثالثا: الفعل "باركنا" مسند إلى الله تعالى ، فالبركة إذن ظاهرة ومتحققة ، رابعا:  لبركة الدين في المسجد الأقصى مظاهر عديدة فهي عدا عن أنها متعبد الأنبياء ومهبط الوحي فهو أيضا أرض نهر جار للحسنات لمن يرابط فيه إيمانا واحتسابا ، وأما بركة الدنيا في بيت المسجد الأقصى وبيت المقدس فقد ذكر المفسرون أقوالا عديدة وأنها المباركة بالزروع والثمار والرزق والمعيشة والحرث والغرس ،وأقول أن المباركة في بيت المقدس في الدنيا عديدة أظهرها أن أهلها إن افتقروا لم يجوعوا كما يحصل لغيرهم من الناس في الأماكن الأخرى.
المسألة الثامنة" قوله تعالى "إنه هو السميع البصير: تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد وتوعد للمشركين ، أما أنه تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم فمعناه أننا نرى ما يفعل بك المشركون وما ينزل بك من أذى منهم ونسمع شكواك و الله ناصرك ومؤيدك ، وأما أنه تهديد ووعيد للمشركين فمعناه نرى عداؤكم لرسولنا ونسمع أقوالكم القبيحة التي تقولونها له ، وإننا قادرون على أن ننتقم منكم ونعذبكم بسبب كفركم وعنادكم ورفضكم لقبول الحق وهو دين الإسلام الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ....
والحمد لله رب العالمين
 

من فقه القرآن : تفسير سورة الإسراء 2


من فقه القرآن
تفسير سورة الإسراء  :  (2)
 الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس
www.algantan.com
 
 قال الله تعالى :" سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى  الذي باركنا حوله..."
 فقه هذا المقطع القرآني وفوائده في المسائل الآتية:
 المسألة الأولى : افتتح الله تعالى سورة الإسراء بقوله "سبحان" ، وهو اسم مصدر ولم يفتتح به أي سورة أخرى من سور القرآن الكريم ،  وفي هذا استثارة للسامعين من المشركين من قريش وغيرهم  على أن ما بعد هذا التسبيح سيكون إخبارا عن أمر عظيم فوق مقدورهم ، وأن عليهم أن يذعنوا لعظمة الله وقدرته على كل شيء ، وأن ينتهوا عن غيهم وجحودهم بإنكار أن القرآن من عند الله سبحانه ، وأن يؤمنوا أن محمدا هو رسول من عنده سبحانه لهم ولكل الخلق من الثقلين ،وأن من كان هذا شأنه وجب أن يعظّم وينزّه عن كل ما لا يليق به من صفات النقص ، فافتتاح السورة باسم المصدر " سبحان" دال على التعظيم لله تعالى ثم يدل على تنزيهه عزّ وجلّ عن كل صفة لا تليفق به سبحانه ، واسم المصدر هنا دال على التعظيم في الغالب لدلالة ما بعده عليه وهو الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد القصى في جزء بسيط من ليلة ...
 المسألة الثانية : و"سبحان"  اسم غير متمكن فلا ينصرف لآنه صار علما لأحد معنيين ،الأول وهو الغالب : التعظيم لدلالة ما بعده عليه ، والثاني التنزيه وذلك لإنكار المشركين أن الله أسرى بنبيه صلى الله عليه وسلم ،  ففيه رد لمطاعن المشركين هذه ، وأن من كانت صفته العظمة والقدرة على كل شيء وجب أن يعبد وأن لا يشرك به غيره .
 المسألة الثالثة:  والتعظيم لله والتنزيه له عن النقائص  مقامان من  أول وأرفع مقامات العبودية لله تعالى ،  وإذا كانت العبودية لله سبحانه مجموعة في كلمتين وكل كلمة مكونة من حرفين وهما حب وذل ، فإن من عظّم الله ونزهه أحبه وذل له باتباع كل ما أمر وبالانتهاء عن كل ما نهى عنه ، وهذه هي الحكمة من خلق الله للإنس والجن كما أخبر الله بذلك فقال سبحانه في سورة الذاريات " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" .
 المسألة الثالثة : و"سبحان"  لا تكون إلا في الموضع الذي يكون فيه العجب  والتنزيه...وتقدير الآية هنا تقديران :الأول: عجب من الذي أسرى بعبده ليلا، والثاني : تنزيه لله عن كل نقص وصفه به المشركون في مكة خاصة وأينما كانوا حين نسبوا له صفة العجز والقدرة عن الإسراء بالنبي صلى لله عليه وسلم في جزء من ليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
 المسألة الرابعة :  والتسبيح من السبح وهو الجري إلى أبعد الغايات ...فهي كلمة تقال  للذهاب  والإبعاد نقول فرس سابح إذا كان ركضه سريعا لا يدركه غيره من الخيل ، فالمسلم حين يقول سبحان الله أو حين يسبح الله تعالى يعني : ينزهه عن كل نقص ، ويبعده عن صفات المخلوقين ، ويجلّه عما وصفه به الكافرون ، والتسبيح في اللغة يطلق على أربعة مواضع وهي: الأول الصلاة (فلولا أنه كان من المسبحين) يعني من المصلين ، والثاني  الاستثناء (ألم أقل لكم لولا تسبحون) أي تستثنون ، والثالث التنزيه وهنا تنزيه الله عن كل سوء ونقص، والرابع النور ففى الحديث :أن الله حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " .
 المسألة الخامسة:  ومن الحكم الملحوظة لافتتاح الله تعالى السورة باسم المصدر " سبحان" للتأكيد على أن الإسراء كان بروح  النبي صلى الله عليه وسلم وبجسده جميعا  وهو ما عليه أهل السنّة والجماعة ، وهو الذي دل عليه التسبيح فلو كان الإسراء بالروح لما كان داعيا إلى إنكاره ، ولما تتطلب أن يذكره الله في القرآن في مقام التعجيب والتنزيه له سبحانه .
   المسألة السادسة " قوله تعالى " الذي" وهو اسم موصول ، ولم يأت باسمه عزّ وجل ّ هنا وهو الله فلم يقل سبحان الله أسرى بعبده ، ولم يأت بصفة من  صفاته هنا كأن يقول سبحان القادر أسرى بعبده ، فخًص الاسم الموصول هنا بدل اسمه أو صفة من صفاته لحكمة وهي لأن صلة الموصول وصف لاسم معرفة محذوف  وهو الله  ، وأقيم اﻻسم الموصول مكانه  لدلالة صلة الموصول عليه من التعجب لهذا الحدث المعجز وانتشار خبره بين قريش ما بين مؤمن مصدق به ومشرك مكذب له ، فهذا الحدث المعجز وهو معجزة الإسراء في  جزء  من ليلة لا يقدر عليه إلا الله فاستغنى عن ذكره باسمه لهذا السبب.
 المسألة السابعة  قوله تعالى "أسرى " ،ولم يقل "سرى " أي عدّاها بالهمزة  ليدل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس هو فاعل الإسراء بل الله هو الذي أسرى به ، وأما تعدية عبده بالباء فقال "بعبده" ولم يقل  بنبيه أو بحبيبه أو غير ذلك  لكي لا تضل أمته فيه كما ضلت النصارى بعيسى عليه السلام  ، ولآن الوصف بالعبودية أشرف المقامات ..
المسألة الثامنة: قوله تعالى "ليلا" مع أن الإسراء لا يكون إلا في الليل ،للدلالة على أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان في جزء من الليل وليس في الليل كله ، وحتى نعلم مقدار الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لو لم يذكر ليلا لاحتمل أن يكون الإسراء في عدة ليال، ولأن الليل له شأن عند أهل الحب  وأهل العبادة. فيه يدنو الحبيب من حبيبه ،وهذا المقام لا ينبغي أن يكون فيه تأثير لمخلوق بحال فسرى بنفسه وسرى بروحه  ،وفيه أيضا تأكيد للإسراء بالروح والجسد جميعا. 
 المسألة التاسعة:  قوله تعالى "المسجد الأقصى سمّاه بهذا الإسم  لأنه أبعد مسجد من أهل مكة في الأرض يعظم للزيارة.، ولأنه بعيد عن الأقذار والخبائث، ولأنه -قيل- وسط الدنيا لا يزيد شيئا ولا ينقص، ولهذا يقال إنه أقرب مكان في الأرض إلى السماء ، وقال "باركنا حوله  ولم يقل فيه ولم يذكر المباركة في المسجد الحرام؟ لأن البركة في المسجدين الأقصى  والحرام موجودة فيهما لا حاجة لذكرها .(يتبع الحلقة القادمة) .....................والحمد لله رب العالمين
 

من فقه القرآن : تفسير سورة الإسراء 1


من فقه القرآن
 تفسير سورة الإسراء
"مقدمات بين يدي  التفسير " (1)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس

أولا : تعريف بسورة الإسراء :  هي من سورة مكية التي نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم  إلا بضع آيات منها، قيل ثلاث وقيل خمس آيات ، والجهور على أنه سورة مكية ، وأن ما ورد فيها من آيات أحكام وتشريع لا يمنع كونها مكية لأن القرآن المكي وإن كان أغلبه يتجه إلى العقائد وأركان الإيمان فلا يمنع أن يكون فيه  آيات تشريع وأحكام ، كما أم القرآن المدني وإن كان أغلبه آيات في الأحكام والتشريعات لا يمنع أن تكون فيه آيات تتحدث في صلب العقيدة وأركان الإيمان .
ثانيا: قالت عائشة رضي الله عنها في فضلها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ سورة بني إسرائيل والزمر "، وقال عبد الله بن مسعود عنها وعن سورة مريم وسورة الكهف:" هن من تلادي وهن من العتاق الأول" ،  والعتاق يعني أول ما نزل ..وأجود  ما نزل بسبب كثرة القصص  التي فيها والتي فيها العبر والعظات والتثبيت للنبي وللمسلمين معه ومن بعده إلى يوم القيامة ،ومعنى قوله "وهن من تلادي " :  يعني من أول حفظي.
 ثالثا: أسماء سورة الإسراء: لها ثلاثة أسماء ، الأول سورة بني إسرائيل ، وهذا الإسم كان مشهورا في حياة الصحابة الكرام،ففي أبواب الدعاء في سنن الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت :" كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل " ،وفي صحيح الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم :"  إنهن من تلادي ، وإنهن من العتاق الأول"، وسميت بني إسرائيل لأنها ذكرت فيها من أحوال بني إسرائيل ما لم يذكر في غيرها من السور ،فتحدثت عن موسى عليه السلام وعن إفساد بني إسرائيل في الأرض وعاقبة كل إفساد ، وذكرت فيه الوصايا العشر لبني إسرائيل ، ثم قبل ختام السورة تحدثت عن موسى عليه السلام وفرعون ، وعما سيؤؤل إليه حال بني إسرائيل في  آخر عهدهم على الأرض وقبل قيام الساعة  ، والإسم الثاني سورة الإسراء  كما صرّح بذلك الألوسي في تفسيره ، وسميت بهذا الإسم لافتتاحها بالإخبار عن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس ، والإسم الثالث للسورة الكريمة هو سورة "سبحان" لافتتاحها بالتسبيح وهو قوله تعالى "سبحان الذي أسرى بعبده...."
 رابعا : لكل سورة من السور آية مركزية تقوم عليها ، وتكون محور الآيات في السورة ، وهذا الأمر لم يذكره أحد قبلي من العلماء ، ولكنه اجتهاد مني بعد طول نظر وتدبر وتأمل ، والآية التي تقوم عليها سورة الإسراء والتي تعتبر الآية المحورية للسورة هي قول الله تعالى :" إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ، وهذه الآية الكريمة هي مركز السورة ومحورها  لأن السورة جاءت ترد على تكذيب المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم   حين كذبوا خبر إسرائه وحين طلبوا منه  لكي يصدقوه أن يفجر الله لهم مكة أنهارا ويجعلها جنة ورياضا ، فجاءت هذه السورة لتؤكد صدق نبوته وصدق ما يقوله لأن هذه القرآن من عند الله المتصف بالعظمة والقدرة والمنزه عن النقائص والعيوب والذي له صفات الكمال المطلق ، فما دام القرآن من عند الله فكل تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبما يجري الله على يديه من معجزات باطل ،ولأن السورة جاءت تتحدث عن مصير المكذبين بالنبي صلى الله عليه وسلم ومصير المصدقين  وهذا يتوقف على التصديق بالقرآن الكريم أو الكفر به ،ولآن السورة  في الآيات الأول منها جاءت تبشر المسلمين بالنصر والتمكين في الأرض إن هم آمنوا حق الإيمان واتقوا حق التقوى ،وهذا ما أكدته الآية الكريمة وجعلت كل ذلك متوقفا على الإيمان بالقرآن الكريم والعمل بأحكامه.
 خامسا:  وسورة الإسراء من حيث النزول  ترتيبها السورة الخمسون ، ونزلت بعد سورة القصص وقبل سورة يونس ، وقد مضى على احتلال المسجد الأقصى خمسون عاما من عام 1967م إلى عام 2017م ، ومصير المسجد الأقصى في الإفساد الثاني الذي يعيشه في ظل اليهود قد ذكرته السورة في أول آياتها ، وأن إفسادهم الثاني مصيره هلاكهم وتحرير المسجد الأقصى منهم ، وإذا أخذنا  بعلم  المناسبة بين السورة وهو علم تعرف منه علل ترتيب سور القرآن الكريم ، فقد نستدل بها على قرب زوال دولة إسرائيل ،فسورة القصص التي نزلت قبل سورة الإسراء كأنها جاءت توطئة لزوال بني إسرائل في الإفسادين الأول والثاني ، فسورة القصص استهلت بذكر العلو الفرعوني في الأرض على الطائفة المؤمنة الممثلة وقتها  بموسى ومن آمن معه، وبينت صورا من استضعافه لهم بالقتل واستحياء النساء والإفساد ، وبشرت بانتصار المؤمنين على فرعون وعلوه وإفساده فقالت :" ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان منهما ما كانوا يحذرون " ، وجاءت سورة الإسراء واستهلت بنفس المصير لمن يفسد ويعلو في الأرض ، وهم هنا بنو إسرائيل فمصيرهم مصير فرعون الهلاك التام على يد العصبة المؤمنة ، مع ملاحظة تكرار نفس الألفاظ مثل العلو والإفساد والأرض والآخرة ، وفي نهاية سورة القصص ذكرت مصير من يريد العلو في الأرض وهو الهلاك وبشرت النبي صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى مكة فقالت :" إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " وسورة الإسراء قبل أن  تذكر القرآن بقولها :" إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم بشرت المسلمين بالعودة إلى المسجد الأقصى بعد  تتبيرهم ما علا  بنو إسرائيل تتبيرا ، وهذا كله قلنا به لأن سورة القصص سبقت سورة الإسراء بالترتيب ،فقلنا كأنها جاءت توطئة لها ، وكذلك بالنسبة لسورة يونس التي جاءت في ترتيب النزول بعد سورة الإسراء ،فقد أخبرت بعدة أمور وهي طلب موسى من قومه اتخاذ المساجد في بيوتهم والتوكل على الله تعالى لأنهم لا يملكون قوة فرعون الكبيرة ، وفي نفس السورة أعني سورة الرعد ذكرت هلاك فرعون وجنوده بالتدخل الإلهي بإغراقهم في البحر ، وكأن في هذا إشارة إلى المرابطين في بيت المقدس وأكنافه أن يتخذوا المسجد الأقصى بيتا لهم يغدون إليه ويروحون وأن يؤسسوا بيوتهم على تقوى الله تعالى ، وأن  يتوكلوا على الله تعالى ويلجأو إليه  بالإستقامة  على ضعفهم الذي هم فيه حتى يعجل الله لهم بالفرج وزوال الإفساد الذي يعانون منه من بني إسرائيل ، فإن هم التزموا بما قلت هيأ الله أسباب نصرهم وزوال ملك غيرهم فكما نصر ،موسى ومن معه من المسلمين الضعفاء بإغراق فرعون فإن الله قادر على أن يهيأ الأسباب وجنوده كثيرة فينصر المستضعفين في بيت المقدس وينجيهم من هذا الإفساد في أرضهم ، والله تعالى أدرى وأعلم
المقدمة السادسة : وأما المناسبة  بين سورة الإسراء والسورة التي قبلها وهي سورة النحل ،فأن الله تعالى استهل سورة النحل ينهي المسلمين عن استعجال الأمور العظام كيوم القيامة وغيرها  وأنها لا بد وأن تقع وتكون ، وأمرهم بالاستقامة والثبات على توحيده سبحانه فقال :"أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون " واستهل سبحانه سورة الإسراء بالحديث عن أمر عظيم ومعجز وهو الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وجاءت  السورة تتحدث عن أمور العقائد ووجوب الاستقامة عليها ومصير من يحيد عنها ويتنكبها ، ثم  تطرقت سورة النحل إلى موقف المشركين من القرآن وهو الزعم بأنه من البشر وردت عليهم فقالت :" لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " وفي سورة الإسراء أكدت أن القرآن من الله تعالى ,انه مصدر هداية وشفاء وأن البش  عاجزون عن الإتيان بمثله فقالت :" وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين " وقالت "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ..." وقالت أيضا:"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " ، وبعد أن قال في آخر سورة النحل :"إنما جعل السبت  على الذين اختلفوا فيه " ، ذكر في سورة الإسراء جميع ما ذكره لهم في التوراة ،فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل"، و ختمت سورة النحل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى المشركين ، جاءت سورة الإسراء لتبين شرفه وعلو قدره ومنزلته عند ربه عزّ وجل ّ بالإسراء به إلى المسجد الأقصى ،  وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم  ، وافتتحت السورة بذكره تشريفا له وتعظيما للمسجد الأقصى المبارك ،وأيضا بينت سورة النحل قواعد الاستفادة من المخلوقات الأرضية كالبغال والحمير وغيرها مما يخلق الله مما لا يعلم البشر ، وفي سورة الإسراء بينت قواعد الحياة الاجتماعية التي على المسلمين القيام بها حتى تستقيم لهم الحياة ويحققوا العبودية له في حياتهم ...وإلى اللقاء في الحلقة القادمة ...
والحمد لله رب العالمين
 

 
 
 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More