تعديل

السبت، 3 مارس 2018

من فقه القرآن : تفسير سورة الإسراء 13



من فقه القرآن
تفسير سورة الإسراء (13)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة بيت المقدس
www.algantan.com

قال الله تعالى:" ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"
فقه الآيتين وفقههما في المسائل الآتية:

المسالة الأولى :قوله تعالى "ونخرج  له يوم القيامة كتابا" ، يوم القيامة من أسماء اليوم الآخر وسمي يوم القيامة لأن الناس تقوم فيه من القبور بإذن ربها للحساب ، وقوله تعالى " ونخرج" أيضا هذا يكون يوم القيامة ، وقد سمّى الله يوم القيامة أيضا بيوم الخروج فقال :" ذلك يوم الخروج " أي: يوم خروج الناس من القبور،قال الشاعر :َألَيسَ يَوْمٌ سُمِّيَ الخُرُوجا، ... أَعْظَمَ يَوْمٍ رَجَّةً رَجُوجا؟، وإذا رجعنا إلى معاني الخرج والخروج في اللغة العربية ،نجد أن  من معاني الخروج الإبل المتقدمة ذات الأعناق الطويلة ، ومن معاني الخرج والخروج أول ما يظهر من السحاب الممطر ، ومن معاني الخروج القيح والصديد ،ومن معاني الخروج ظهور الشيء وتقدمه ،وعليه فإن قوله تعالى ( ونخرج) تشمل كل المعاني التي ذكرناها ، فأعمال الإنسان يظهرها الله يوم القيامة وكما قال سبحانه( لا تخفى منهم خافية)، وأعمال الإنسان حين يظهرها الله يوم القيامة منها ما يكون خيرا وفيه المدح لفاعله مثل الإبل المتقدمة على غيرها لطول أعناقها ، ومن الأعمال ما تكون شرا ووبالا على أصحابها كحال القيح والصديد ، وعليه نعلم مدى بلاغة القرآن الكريم في اختيار الألفاظ ،وهذا مظهر من مظاهر بلاغة القرآن الكريم المعجز.

 المسألة الثانية:  قوله تعالى (اقرأ) :  جاءت القراءة في القرآن الكريم  بداية للسعادات  ونهاية للمآلات ، فقوله سبحانه في سورة العلق  :(اقرأ باسم ربك  الذي خلق) بداية للسعادات ، لأنها قراءة للوحي المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، هذه القراءة التي تقوم على  تلقي الوحي المنزل والعمل به ،كما قال سبحانه في سورة البقرة" الذين آتيناهم الكتاب  يتلونه حق تلاوته ،يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون " أي : يعملون بما جاء به من أحكام ، وأما كون القراءة نهاية  للمآلات فهو كما جاء في الآية  في سورة الإسراء  (اقرأ كتابك)، وهذه القراءة تكون يوم القيامة ، فهي قراءة يعرف بها الإنسان نهايته الخالدة التي لا نهاية بعدها ، وهي أهم القراءات على الإطلاق ، لأنها قراءة السعادة الأبدية أو قراءة الشقاوة الأبدية .

المسألة الثالثة : والكتاب أصل القراءتين السابقتين ،فهو الوعاء الجامع لهما ، أما الكتاب الأول فهو القرآن الكريم ولهذا كان هو بداية السعادات ونهاية لكمال المآلات ، ولأنه كذلك كررت سورة الإسراء الحديث عنه والتعريف به ، ووصفته بأنه بداية السعادات فقالت : " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" ، ووصفته بأنه نهاية  لكمال المآلات فقالت : ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا "، وأما الكتاب الثاني فهو الديوان الذي يكتب فيه الملكان أعمالك فيكتبان حسناتك وسيئاتك ، فهذا الكتاب أصل لما يؤول إليه مصيرك يوم القيامة .
المسألة الرابعة: ويشترك كلا من الكتابين ، القرآن الكريم وديوان أعمالك من حسنات وسيئات ، في صفتين متلازمتين لا تنفكان وهما : الأولى :صفة الكتابة ، والثانية : صفة القراءة ، وبهاتين الصفتين تكتمل إقامة الحجة على العبد ،فالقرآن الكريم هو كلام الله حقا لا تبديل فيه ولا تغيير ، لأن الله تعالى حفظه في السطور بالكتابة ، وحفظه في الصدور بالقراءة ،فهو محفوظ في السطور وفي الصدور ، وهي ميزة له تختلف عن باقي الكتب السماوية السابقة ، وذلك أنه آخر الكتب السماوية إلى العباد  فكان كذلك لتقوم عليهم الحجة باتباعه ،ولهذا كان اتباع القرآن أصل في بداية السعادة ونهايتها ، وكان الكفر به  أو ترك العمل بأحكامه ،بداية التردي في الشقاوة في الدنيا ، والولوج فيها في الآخرة من غير خروج ، وأما ديوان أعمال العبد فهو سجل أعماله لم يزد فيها ولم ينقص منها ، فتكون الحجة عليه لازمة ، ولهذا قال سبحانه (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) .
المسألة الخامسة: خصّ القراءة  للكتاب في قوله تعالى "اقرأ كتابك" ، ولم يخصها بلفظ آخر مثل أعمالك أو نحو ذلك ، وذلك لحكم منها ،أولا: أن القراءة والكتاب يجتمعان في لغة العرب بمعنى الجمع ، فمن معاني القراءة الجمع ، وكذلك الكتاب من معانيه الجمع ، فتكون أبلغ في إقامة الحجة على  محاسبته على أعماله فهي مجموعة عليه كتابة وقراءة، ثانيا: ولأن الكتاب لا يمكن معرفة ما فيه إلا بالقراءة ،ولهذا ورد عن بعض السلف  أن كل إنسان يوم القيامة يقرأ كتابه سواء كان قارئا في الدنيا أو غير قارىء، وبهذا تجتمع للعبد يوم القيامة الكتابة والقراءة لأعماله فلا يستطيع إنكار شيء منها .

المسألة السادسة : ورد لفظ الكتاب في سورة الإسراء ثلاث مرات ،المرة الأولى بمعنى الكتاب المنزل من السماء وهو التوراة ، وذك عند قوله تعالى"وآتينا موسى الكتاب" ، وفي المرتين الأخريتين ذكر الكتاب بمعنى الديوان الذي تسجل فيه أعمال العبد ،المرة الأولى :"اقرأ  كتابك" ، والمرة الثانية "فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا " .

 المسألة السابعة : فالتوراة ذكرت بلفظ (الكتاب) في سورة الإسراء  ، وأما القرآن الكريم فلم يذكر إلا بلفظ (القرآن) في هذه السورة مع أنه ذكر في عديد السور بعدة أسماء ومنها الكتاب ، ولعل الحكمة من اختصاص القرآن بهذا الإسم في هذه السورة هو لبيان أن القرآن محفوظ من التغيير والتبديل بعكس التوراة التي بدل فيها وحرّف ، فالقرآن مقروء ولا تكون القراءة إلا من كتاب فهو بذلك كما قلنا سابقا محفوظ في الصدور وفي السطور ، بينما التوراة مكتوبة أي محفوظة في السطور فقط ولم تحفظ في الصدور ولهذا دخلها التحريف والتبديل والتغيير ، وهذا كله مرتبط بالإفسادين المذكورين في أول السورة ، وهذا يعني أن كل ادعاء لبني إسرائيل في القدس والمسجد الأقصى هو باطل وأن ما هو موجود في التوراة من زعم لهم فيها هو من التحريف والزيادة التي دخلتها  ، فالمسجد الأقصى حق للمسلمين كما بينت أول السورة ، وإفساد بني إسرائيل فيه هو طارىء ومؤقت وزائل فكما زال وانتهى الإفساد الأول فيه ، فسينتهي الإفسادين الثاني والثالث فيه أيضا ، بأيادي أتباع القرآن الكريم الذين قال الله فيهم "عبادا لنا" تشريفا لهم وتعريفا بهم .

 المسألة الثامنة : ذكرت الآية الكتابة نكرة غير معرّف فقالت " ونخرج له يوم القيامة كتابا " فنكّرت الكتاب للدلالة على  أن ما فيه غير معروف لصاحبه ، فهو يجهل ما فيه ، ولهذا يطلب الله منه أن يقرأ كتابه بنفسه ،لإقامة الحجة عليه  وتقريره بأعماله .
 المسألة التاسعة  : سمّي يوم القيامة بيوم القيامة لعدة أسباب ، الأول: لأنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة ، الثاني: لأن الناس يقومون فيه من قبورهم ، الثالث: لأن فيه تقوم الأشهاد كما قال سبحانه"إنا للنصر رسلنا في الحياة الدنيا ويوم تقوم الأشهاد" وعنى بقوله : ( ويوم يقوم الأشهاد ) يوم يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين على الأمم المكذبة رسلها بالشهادة بأن الرسل قد بلغتهم رسالات ربهم ، وأن الأمم كذبتهم . والأشهاد : جمع شهيد ، كما الأشراف : جمع شري) .  ،الرابع : لأنه يوم يقوم فيه العدل بعد أن كان الظلم في الدنيا أما ألاخرة فلا ظلم فيها بل عدل تام ومطبق .
المسألة العاشرة :  قوله تعالى: "اقرأ كتابك يحتمل وجهين أحدهما : لما في قراءته من زيادة 
التقريع والتوبيخ ، والثاني :  ليكون إقراره بقراءته على نفسه .

المسألة الحادية عشرة : :قوله تعالى: "كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " قولان : الأول:شاهدا ، والثاني : حاكما بعملك من خير أو شر.
المسألة الثانية عشرة :قوله تعالى "كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا": يطلب الكافر من الله سبحانه وتعالى يوم القيامة أن تشهد عليه جوارحه فينطقها الله سبحانه وتعالى وتشهد عليه بما عمل فيقول:" قبحا لكن وسحقا عنكن كنت أناضل".

المسألة الثالثة عشرة :قوله تعالى ( حسيبا) ، الحسيب من أسماء الله الحسنى ، ومعناه: الكافي ، كما يقول المسلم (حسبنا الله ونعم الوكيل) أي : أن الله كافيني ولا كافي لي غيره ، وحَسْبُ،: بِمَعْنَى كَفَى؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وأَمَّا حَسْبُ، فَمَعْنَاهَا الاكْتِفاءُ. وحَسْبُكَ دِرْهم أَي كَفاكَ،  وَتَقُولُ: حَسْبُكَ ذَلِكَ أَي كفاكَ ذَلِكَ؛  والحسب : الكرم ، والحسب : الشرف الثابت في الآباء ، وَقِيلَ: هُوَ الشَّرَفُ فِي الفِعْل، والحَسَبُ: مَا يَعُدُّه الإِنسانُ مِن مَفاخِرِ آبائهِ،  والحَسَبُ: الفَعالُ الصَّالِحُ،   والحَسَبُ: المالُ، والكَرَمُ: التَّقْوَى.. والحَسَبُ: الدِّينُ.  والحسب غير النسب فالنَّسَبَ عدَد الآباءِ والأُمهاتِ، إِلَى حَيْثُ انْتَهى. والحَسَبُ: الفَعالُ، مِثْلُ الشَّجاعةِ والجُود، وحُسْنِ الخُلُقِ والوَفاءِ ؛ والحَسْبُ: العَدُّ والإِحْصاءُ؛ والحَسَبُ مَا عُدَّ؛ وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ: "حَسَبُ المَرْءِ دِينُه، ومُرُوءَتُه خُلُقه، وأَصلُه عَقْلُه." وَفِي الْحَدِيثِ:" أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَرَمُ المَرْءِ دِينُه، ومُرُوءَتُه عَقْلُه، وحَسَبُه خُلُقُه" والحَسَبَ يَحْصُلُ للرَّجل بكَرم أَخْلاقِه، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ، وَإِذَا كَانَ حَسِيبَ الآباءِ، فَهُوَ أَكرَمُ لَهُ. وَفِي حَدِيثِ وَفْدِ هَوازِنَ: قَالَ لَهُمْ: اخْتاروا إحْدَى الطائِفَتَيْنِ: إِما المالَ، وإِما السَّبْيَ. فَقَالُوا: أَمَّا إذْ خَيَّرْتَنا بَيْنَ المالِ والحَسَبِ، فإِنَّا نَخْتارُ الحَسَبَ، فاخْتاروا أَبْناءَهم ونِساءَهم ؛ أَرادوا أَنَّ فِكاكَ الأَسْرَى وإيثارَه عَلَى اسْتِرْجاعِ المالِ حَسَبٌ وفَعالٌ حَسَنٌ، فَهُوَ بالاختِيار أَجْدَرُ؛ والحَسَبُ والحَسْبُ قَدْرُ الشيءِ، كَقَوْلِكَ: الأَجْرُ بحَسَبِ مَا عَمِلْتَ وحَسْبِه أَي قَدْره؛ وَكَقَوْلِكَ: عَلَى حَسَبِ مَا أَسْدَيْتَ إِلَيَّ شُكْري لَكَ، تَقُولُ أَشْكُرُكَ عَلَى حَسَبِ بَلَائِكَ عِنْدي أَي عَلَى قَدْر ذَلِكَ. 

المسألة الرابعة عشرة: ويستفاد مما سبق ذكره من معاني الحسب أن قوله تعالى (حسيبا) عند قوله (كفى بنفسك اليوم عليك حسبيا) الفوائد الآتية،  أولا: في الآية حض وحث للإنسان على أن تكون أفعاله صالحة ،لأن الحسب هو العمل الصالح ، ثانيا ، في الآية بيان أن الأصل في كتاب الإنسان يوم القيامة أن يكون كتابا يرتفع فيه شأنه بحسبه الذي جاء فيه من التقوى والعمل الصالح ،ثالثا: أن كتابه كافيه يوم القيامة بما جاء فيه من خير أو شر ،فإن كان الذي جاء فيه حيرا فهو كافيه لدخول الجنة ، وغن كان الذي جاء فيه  شرا فهو كافيه لدخول النار ، رابعا: أنالإنسان لا ينفعه يوم القيامة نسبه بل الذي  ينفعه حسبه وهو عمله الصالح وتقواه ( ونفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسائلون) ،خامسا:أن حسب المرء دينه ، سادسا: أن أعمال الإنسان تعد عليه عدا يوم القيامة وتحصى عليه كلها صغيرها وكبيرها ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).



من فقه القرآن : تفسير سورة الإسراء 12



من فقه القرآن
تفسير سورة الإسراء (12)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة بيت المقدس
www.algantan.com

قال الله تعالى:" ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"
فقه الآيتين وفقههما في المسائل الآتية:

المسألة الأولى: قوله تعالى (اقرأ) ، جاءت القراءة في القرآن الكريم  بداية للسعادات  ونهاية للمآلات ، فقوله سبحانه في سورة العلق  :(اقرأ باسم ربك  الذي خلق) بداية للسعادات لأنها قراءة للوحي المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، هذه القراءة التي تقوم على  تلقي الوحي المنزل والعمل به ،كما قال سبحانه في سورة البقرة" الذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون " أي : يعملون بما جاء به من أحكام ، وأما كون القراءة نهاية  للمآلات فهو كما جاء في الآية  في سورة الإسراء  (اقرأ كتابك) وهذه القراءة تكون يوم القيامة ، فهي قراءة يعرف بها الإنسان نهايته الخالدة التي لا نهاية بعدها ، وهي أهم القراءات على الإطلاق ، لأنها قراءة السعادة الأبدية أو قراءة القاوة الأبدية .

المسألة الثانية : والكتاب أصل القراءتين السابقتين ،فهو الوعاء الجامع لهما ، أما الكتاب الأول فهو القرآن الكريم ولهذا كان هو بداية السعادات ونهاية لكمال المآلات ، ولأنه كذلك كررت سورة الإسراء الحديث عنه والتعريف به ، ووصفته بأنه بداية السعادات فقالت : " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" ، ووصفته بأنه نهاية  لكمال المآلات فقالت : ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا "، وأما الكتاب الثاني فهو الديوان الذي يكتب فيه الملكان بأعمالك فيكتبان حسناتك وسيئاتك ، فهذا الكتاب أصل لما يؤؤل إليه مصيرك يوم القيامة .

المسألة الثالثة: ويشترك كلا من الكتابين ، القرآن الكريم وديوان أعمالك من حسنات وسيئات ، في صفتين متلازمتين لا تنفكان وهما : الأولى :صفة الكتابة ، والثانية : صفة القراءة ، وبهاتين الصفتين تكتمل إقامة الحجة على العبد ،فالقرآن الكريم هو كلام الله حقا لا تبديل فيه ولا تغيير ، لأن الله تعالى حفظه في السطور بالكتابة ، وحفظه في الصدور بالقراءة ،فهو محفوظ في السطور وفي الصدور ، وهي ميزة له تختلف عن باقي الكتب السماوية السابقة ، وذلك أنه آخر الكتب السماوية إلى العباد  فكان كذلك لتقوم عليهم الحجة باتباعه ،ولهذا كان ابتاع القرآن أصل في بداية السعادة ونهايتها ، وكان الكفر به  أو ترك العمل بأحكامه ،بداية التردي في الشقاوة في الدنيا ، والولوج فيها في الآخرة من غير خروج ، وأما ديوان أعمال العبد فهو ويوقن أنها أعماله لم يزد فيها ولم ينقص منها ، فتكون الحجة عليه لازمة ، ولهذا قال سبحانه (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) .
المسألة الرابعة: خصّ القراءة  للكتاب في قوله تعالى "اقرأ كتابك" ، ولم يخصها بلفظ آخر مثل أعمالك أو نحو ذلك ، وذلك لحكم منها ،أولا: أن القراءة والكتاب يجتمعان في لغة العرب بمعنى الجمع ، فمن معاني القراءة الجمع ، وكذلك الكتاب من معانيه الجمع ، فتكون أبلغ في إقامة الحجة على  محاسبته على أعماله فهي مجموعة عليه كتابة وقراءة، ثانيا: ولأن الكتاب لا يمكن معرفة ما فيه إلا بالقراءة ،ولهذا ورد عن بعض السلف  أن كل إنسان يوم القيامة يقرأ كتابه سواء كان قارئا في الدنيا أو غير قارىء، وبهذا تجتمع للعبد يوم القيامة الكتابة والقراءة لأعماله فلا يستطيع إنكار شيء منها .

المسألة الخامسة : ورد لفظ الكتاب في سورة الإسراء ثلاث مرات ،المرة الأولى بمعنى الكتاب المنزل من السماء وهو التوراة ، وذك عند قوله تعالى"وآتينا موسى الكتاب" ، وفي المرتين الأخريتين ذكر الكتاب بمعنى الديوان الذي تسجل فيه أعمال العبد ،المرة الأولى :"اقرأ  كتابك" ، والمرة الثانية "فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا " .

 المسألة السادسة : فالتوراة ذكرت بلفظ (الكتاب) في سورة الإسراء  ، وأما القرآن الكريم فلم يذكر إلا بلفظ (القرآن) في هذه السورة مع أنه ذكر في عديد السور بعدة أسماء ومنها الكتاب ، ولعل الحكمة من اختصاص القرآن بهذا الإسم في هذه السورة هو لبيان أن القرآن محفوظ من التغيير والتبديل بعكس التوراة التي بدل فيها وحرّف ، فالقرآن مقروء ولا تكون القراءة إلا من كتاب فهو بذلك كما قلنا سابقا محفوظ في الصدور وفي السطور ، بينما التوراة مكتوبة أي محفوظة في السطور فقط ولم تحفظ في الصدور ولهذا دخلها التحريف والتبديل والتغيير ، وهذا كله مرتبط بالإفسادين المذكورين في أول السورة ، وهذا يعني أن كل ادعاء لبني إسرائيل في القدس والمسجد الأقصى هو باطل وأن ما هو موجود في التوراة من زعم لهم فيها هو من التحريف والزيادة التي دخلتها  ، فالمسجد الأقصى حق للمسلمين كما بينت أول السورة ، وإفساد بني إسرائيل فيه هو طارىء ومؤقت وزائل فكما زال وانتهى الإفساد الأول فيه ، فسينتهي الإفسادين الثاني والثالث فيه أيضا ، بأيادي أتباع القرآن الكريم الذين قال الله فيهم "عبادا لنا" تشريفا لهم وتعريفا بهم .

والحمد لله رب العالمين






من فقه القرآن : تفسير سورة الإسراء 11



من فقه القرآن
تفسير سورة الإسراء (11)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة بيت المقدس
www.algantan.com

قال الله تعالى: " وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً  اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"
فقه الآيات الكريمات  وفوائدها في المسائل الآتية:

المسألة الأولى:هذه الآيات الكريمات بينت بعض القواعد التي تقوم عليها محاسبة الله للعباد يوم القيامة ، وهذه القواعد هي : القاعدة الأولى :أن الله يوم القيامة يحكم بين العباد بالعدل,ويوفي العباد أجورهم غير منقوصة, فهو سبحانه أعدل العادلين وأحكم الحاكمين ، قال عن نفسه : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا " ،  وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" , ومن عدل الله بين عباده يوم القيامة  وكرمه الزيادة والعطاء لمن آمن وعمل صالحا كما قال في سورة النبأ:" جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابا " ، فالله يجزي المحسن بإحسانه ثم يزيده في العطاء ولا يبخسه من عمله شيئا ,وهذه القاعدة تظهر في الآية الكريمة عند قوله تعالى:"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" ، فكل إنسان يحاسب بالعدل على ما قدم من أعمال خيرها وشرها. القاعدة الثانية:أن الله يجازي عباده يوم القيامة بأعمالهم التي عملوها هم,ولا يؤاخذهم بأعمال غيرهم وأوزارهم ,ويظهر هذا في قوله تعالى:" وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" ، أي:لا يؤخذ العبد بذنب غيره,وقال الله أيضا :" وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى" . القاعدة الثالثة:أن الله يطلع العباد على ما عملوه في الحياة الدنيا من خير أو شر,كما قال سبحانه: " وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً "، وكما قال في سورة,آل عمران: "  يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ "القاعدة الرابعة:أن الله تعالى يقيم الشهود على العباد يوم القيامة بما فعلوه من جوارحهم كما قال : " يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" ، وقال أيضا: "اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا" ، وروي أن الكافر يطلب من الله أن يشهد جوارحه على نفسه فتشهد جوارحه بما عمل فيقول :" قبحا لكنّ  وسحقا عنكنّ كنت أناضل.  القاعدة الخامسة:أن الله تعالى يضاعف الحسنات للعبد المسلم دون السيئات,كما قال سبحانه:" مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ" . القاعدة السادسة : أن الله تعالى يكّفر الصغائر للعبد المسلم إذا اجتنب الكبائر,كما قال:" إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا" . 

المسألة الثانية:مناسبة قول الله تعالى:"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ... الآية" للآية التي سبقتها يظهر في الآتي : أولا:أن الله عز وجل بين ما يحتاج إليه العبد من التوحيد والنبوة والمعاد ، وبين  له كل ما يحتاج إليه من شرح أحوال الوعد والوعيد والترغيب والترهيب وكل ذلك صار مفصلا ومذكورا،  وإذا كان الأمر كذلك فلا أعذار ولا علل للعبد يعتذر بها  ليتنصل من عبادة الله ولذلك كل إنسان يرد عرصة القيامة فقد ألزمه الله طائره في عنقه,ثانيا:أن الله تعالى بين للعباد ما وصل إليهم منه سبحانه من نعمة الدين ونعم الدنيا,ولهذا وجب عليهم أن يتفرغوا لعبادته وينشغلوا بها ولذلك فكل من يرد عرصة  القيامة يكون مسؤولا عن أعماله وأقواله وقد ألزمه الله طائره في عنقه ، ثالثا: بين الله تعالى للعباد أنه خلقهم لكي يعبدوه كما قال :" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" ، وبين لهم أنه خلق الليل والنهار لينتفعوا بهما وليعلموا عدد السنين والحاسب وبالتالي عليهم أن يتفرغوا لعبادته سبحانه وتعالى, رابعا:أن في خلق الليل والنهار حساب لعمر الإنسان ومتى يكون مكلفا وهو بالعقل والبلوغ وأن كل ليلة أو نهار يمر من عمره محسوب عليه,وإنما يوم الإنسان بعضه فإذا مرّ يومه مرّ بعضه,ولهذا على الإنسان أن يوقن أن الله ألزمه طائره في عنقه وأنه"يخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا" ، خامسا:وكما أن من حكمة خلق الليل والنهار عدّ السنين والحساب والأعمار وغير ذلك ما هو معدود ، فكذلك من حكمته خلقها لإبتغاء من فضله ، وأفضل الإبتغاء من الليل عبادة الله بالقيام والتهجد وتلاوة القرآن ، وفي النهار بالعمل بمنهاج الله في الأرض ، والمسلم كما هو موصوف أنه راهب في الليل فارس في النهار"فإن الله  ألزمه الله طائره في عنقه,ويحاسب على أعماله التي عملها في ليله ونهاره يوم القيامة.

المسألة الثالثة:قول الله تعالى:"وكل إنسان" ، كل:لفظ للعموم والإستيعاب والإستغراق لكل المذكورين في الآية ، والمذكور هنا هو"إنسان" ، والإنسان عام يشمل كل إنسان,وعلى هذا فكل إنسان ألزمه الله طائره في عنقه,فيحاسب يوم القيامة على أعماله كلها خيرها وشرها ، ولكن يستثنى من "كل إنسان" من هو غير مكلف ,وهو الصغير غير البالغ,والمجنون والمعتوه غير العاقلين ,لأن هذين غير مكلفين بعبادة الله تعالى,وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" رفع القلم عن ثلاث ، وذكر منهم:الصغير حتى يحتلم, والمجنون حتى يفيق" ، فيكون : وكل إنسان "أي:كل إنسان مكلف بعبادة الله تعالى ألزمه الله طائره : أي عمله في عنقه ويحاسب عليه يوم القيامة ,والإنسان المكلف هو الإنسان البالغ العاقل.

المسألة الرابعة:قوله تعالى"طائره"الطائر له معنيان ، الأول:عمله من خير وشر, والثاني:ما كتبه الله على الإنسان من مقادير وهو في بطن أمه:رزقه وأجله وشقي أو سعيد. 

المسألة الخامسة:وقوله تعالى "طائره" هو مثل ضربه الله في القرآن الكريم,وخاطب به العرب على حسب عادتهم, فقد كان العرب لهم سانح وبارح,أما السائح فهو إثارة الطير فإذا ثار الطائر إلى اليمين كان سانحا وكان بشرى خير للعربي إذا أراد عملا أو سفرا فإنه يقوم به, وأما البارح فقد كان للعربي بارحا وهو الطير إذا أثاره فطار نحو الشمال فيكون شؤما فيتطير العربي به, فإذا أراد عملا أو سفرا لم يفعله تشاؤما وخوفا ,فخاطب الله العربي حسب عادته ، "فطائره" أي عمله من خير"سائح"أو شر"بارح"يرجع إليه ويلازمه  يوم القيامة ، وخيره له وشؤمه عليه. 

المسألة السادسة: قوله تعالى: "في عنقه" ذكر لفظ العنق لعدة أسباب ,الأول: لأن العنق جزء من الجسم لا ينفصل عنه وكذلك عمل الإنسان لازم له كلزوم العنق للجسد, الثاني:على عادة العرب في الكلام كما يقول بعضهم لبعض:إثمي  في عنقك",الثالث:لأنه العنق موضع القلادة والمدح وموضع الأغلال وفيه الذم وكذلك عمل الإنسان كعنقه فيه العمل الممدوح وهو العمل الصالح، ومنه العمل المذموم وهو العمل الطالح من الكفر والمعاصي ,الرابع:العنق يكون موضع جمال إذا كان طويلا,وموضع ذم إذا كان قصيرا ، وهكذا  الأعمال يوم القيامة منها ما هو جميل كجمال العنق الطويل وهو الإيمان والعمل الصالح ، ومنها ما هو مذموم كالعنق القصير وهو العمل الطالح من الكفر والشرك والمعاصي التي قصرت بالإنسان عن وصول الجنة وعن رضوان الله تعالى في الآخرة.

المسألة السابعة : قوله تعالى" وكل إنسان ألزمناه طائرة في عنقه "يعني: "ألزمناه ما قضي له أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو سعادة فعمله في عنقه لا يفارقه "

المسأله الثامنة : وبناء على ما سبق فإن على كل إنسان أن يحاسب نفسه قبل أن يخرج من الدنيا ثم يحاسب على ما قدم وأخر من خير أو شر،  قال الحسن عند قوله تعالى :"ولا أقسم بالنفس اللوامة" قال: "لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي؟  ماذا أردت بأكلتي " ماذا أردت بشربتي ؟" وقال عمر بن الخطاب:"  حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزن ، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم" ،  والإنسان عمره مكون من أيام:  فيوم مضى عليه أن يستغفر الله على ما قصر فيه من طاعات وعلى ما اقترف فيه من معاصي ومنكرات ، ويوم هو فيه عليه أن يستغله في طاعة الله وأن يحرص على أن يوفي يومه حق الله فيه من العبادة والطاعة ، ويوم قادم عليه أن ينوي فيه العمل الصالح وأن يحرص على أن يستثمره في عبادة ربه وطاعته . 

المسألة التاسعة:قوله تعالى اقرأ كتابك" قال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا "

المسألة العاشرة :وقوله "كتابك" ورد لفظ الكتاب في سورة الإسراء أكثر من مرة ،في هذا الموضع وعند قوله تعالى"  يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا" ،  ونتبين من الآية الثانية صفة أخذ الناس كتبهم يوم القيامة واقتصرت الآية على صفة أهل اليمين الذي يأخذون كتبهم بأيمانهم،  وأكدت على أن كل إنسان يقرأ كتابه يوم القيامة ، وأما أهل الشمال والكفرة والمشركون فيؤخذون كتبهم بشمائلهم من وراء ظهورهم كما قال الله سبحانه ومن أوتي كتابه بشماله..... " .

المسألة الحادية عشرة :قوله تعالى "يوم القيامة" ذكر الله اليوم في القرآن بمعنى الليل والنهار كما قال سبحانه"قال كم لبثت قال لبثت يوما أو  بعض يوم" ، وذكر اليوم بمعنى النهار فقط دون الليل كما قال :"  فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم" ،  وذكر اليوم بمعنى الزمان المطلق كما قال سبحانه " يوم يحمى عليهم في نار جهنم فتكوى بهم جباههم وجلودهم "  وفي هذه السورة عنى باليوم اليوم الآخر وهو يوم القيامة الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب ، وذكر يوم القيامة في سورة الإسراء في ثلاثة مواضع ، في هذا الموضع وذكر فيه أنه يوم يحاسب فيه الناس،  وذكره في موضع آخر فقال : "ونحشرهم يوم القيامة على وجههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا" ، وبين فيه هنا عذاب أهل النار الذين كفروا  بربهم عز وجل، وأما الموطن الثالث والأخير الذي ذكر فيه يوم القيامة في سورة الاسراء فهو قوله سبجانه "وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا" ، وفي هذه الآية تحذير للناس من الكفر والشرك والمعاصي .

المسألة الثانية عشرة:  وذكرت سورة الإسراء يوم القيامة بلفظ الآخرة في عدة مواطن منها ، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى " ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن" ، وقوله  : "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا" ، وقال في موطن ثالث :"وللآخرة اكبر درجات وأكبر تفضلا"، وفي هذه الآيات الثلاثة بين الله مصير المؤمنين وعلو درجاتهم في الآخرة ومصير الكافرين ودخولهم جهنم.

 المسألة الثالثة عشرة : وذكرت سورة الإسراء (الآخرة ) مضافة في موطنين:  الأول عند قوله تعالى "فإذا جاء وعد الآخرة بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد" ، والموطن الثاني عند قوله تعالى"فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا" ، والمقصود بوعد الآخرة هنا المرة الأخيرة التي يتحقق فيها جمع بني إسرائيل على تراب فلسطين ثم إنزال العقوبة بهم على أيدي عباد الله المؤمنين الذين قال فيهم ( عبادا لنا).

المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى" يلقاه منشورا" :تلى الحسن قول الله سبحانه "عن اليمين وعن الشمال قعيد" فقال:" يا بن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك ، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك ، فاعمل ما شئت ، أقلل أو أكثر ، حتى إذا مت طويت  صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابا منشورا فيقال لك : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا .
نسأل الله السلامة والعافية والحمد لله رب العالمين


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More