تعديل

الثلاثاء، 10 مايو 2016

من فقه القرآن : العمل

من فقه القرآن
العمل
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس

قال الله تعالى : "منْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ " سورة النحل : آية(97)

فقه الأية الكريمة وفوائدها في المسائل الآتية:
المسألة الأولى:  قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) شَرْطٌ ، فالعمل الصالح من المؤمن الشرط ، وجوابه الحياة الطيبة
المسألة الثانية : قال القرطبي :"وَفِي الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ- أَنَّهُ الرِّزْقُ الْحَلَالُ.
الثَّانِي- الْقَنَاعَةُ.
الثَّالِثُ- تَوْفِيقُهُ إِلَى الطَّاعَاتِ فَإِنَّهَا تُؤَدِّيهِ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ، قَالَ مَعْنَاهُ الضَّحَّاكُ. وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فِي فَاقَةٍ وَمَيْسَرَةٍ فَحَيَاتُهُ طَيِّبَةٌ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ وَلَا عَمِلَ صَالِحًا فَمَعِيشَتُهُ ضَنْكٌ لَا خَيْرَ فِيهَا.
الرابع: وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْجَنَّةُ، وَقَالَ الحسن: لَا تَطِيبُ الْحَيَاةُ لِأَحَدٍ إِلَّا فِي الْجَنَّةِ.
الخامس: وَقِيلَ: هِيَ السَّعَادَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا.
السادس: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: هِيَ حَلَاوَةُ الطَّاعَةِ.
السابع: وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: هِيَ أَنْ يُنْزَعَ عَنِ الْعَبْدِ تَدْبِيرُهُ وَيُرَدُّ تَدْبِيرُهُ إِلَى الْحَقِّ
الثامن:وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: هِيَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، وَصِدْقُ الْمُقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.
التاسع: وَقِيلَ: الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الْخَلْقِ وَالِافْتِقَارُ إِلَى الْحَقِّ.
العاشر: وَقِيلَ: الرِّضَا بِالْقَضَاءِ.
المسألة الثالثة: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ) أَيْ فِي الْآخِرَةِ.
المسألة الرابعة:(بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ)، قالها هنا بصيغة الجمع ،ثم قال: "فَلَنُحْيِيَنَّهُ" بالإفراد ،  قال  القرطبي جوابا على ذلك :"لِأَنَّ" مَنْ" يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، فَأَعَادَ مَرَّةً عَلَى اللَّفْظِ ومرة على المعنى.
المسألة الخامسة : وسبب النزول هو : أنه جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ وَنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ، فَقَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ أَفْضَلُ، وَقَالَ هؤلاء: نحن أفضل، فنزلت الآية الكريمة .
المسألة السادسة:و المسلم وهو يؤدي العمل الصالح أيا كان هذا العمل عبادة كالصلاة والصيام أو من أمور المعاش كالعمل طلبا للرزق  يجب عليه عدة أمور أهما :
أولا : الإخلاص والأمانة: فالغش خيانة ليست من صفات المؤمنين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (من غشّ فليس منا)
ثانيا:  إتقان العمل: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)
ثالثا:العفة والتعفف عن استغلال وظيفته للمصالح الشخصية:
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من استعملناه على عمل ، فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول) .
المسألة السابعة: والله سبحانه أمرنا أن نسير في الأرض، وأن نضرب في نواحيها باحثين  ،وأمرنا أن نكد  ونجد في طلب الرزق، فقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾.
المسألة الثامنة : وأقول للزوج الذي يجلس في بيته ولا يعمل وهو قادر على العمل ويترك زوجته تعمل أو ينتظر الصدقات إن العاقل لا يرضى لنفسه أن يكون كلًّا على غيره، أو أن يكون إمعة يستجدي الرزق  من العباد، [
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة"
المسألة التاسعة: والعمل الصالح لا يخص الرجل دون المرأة ،فالمرأة تشارك الرجل في العمل الصالح ،وإذا كانت المرأة تعمل لتعيل نفسها وأولادها إن كانت محتاجة إلى العمل بالضوابط الشرعية لعمل المرأة فهذا عمل صالح تؤجر عليه إن صاحبته النية الصالحة ، وكذلك إن احتاج المجتمع المسلم إلى عملها فهو كذلك أيضا كأن تكون ممرضة أو جبيبة أو معلمة لإناث أو غير ذلك مما يكون خاصا بالمرأة .
المسألة العاشرة : إن نتيجة العمل الصالح الحياة الطيبة والسعيدة ،فمن عمل من ذكر وأنثى الأعمال الصالحات بعد الإيمان بالله تعالى فاز بسعادة الدارين ،ومن عمل لإعالة نفسه ومن يعول عاش حياة طيبة حيث يكون مالكا للمال الذي ينفق فيه على نفسه ولا يكون لآحد عليه فيه منّا أو يدا .
المسألة الحادية عشرة: والعمل بشكل عام فيه إعمار للأرض من جميع النواحي الإنسانية الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية وغيرها .

والحمد لله رب العالمين



الخميس، 5 مايو 2016

امام وخطيب المسجد الاقصى يشارك في الاحتفال بذكرى الاسراء والمعراج في الاردن

الاردن يشارك الامة الاسلامية الاحتفال بذكرى الاسـراء والمعراج 





ومن جانبه قال خطيب المسجد الاقصى المبارك الشيخ محمد سليم محمد علي، إن الاسراء والمعراج مؤتمر رباني عالمي للمسجد الاقصى جمع الله فيه الرسل جميعا ليصلي فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اماما، ابلاغا للناس بأن دين الرسل واحد، وان أمر النبوة ختم، وان اليد على المسجد الاقصى وحمايته للرسول عليه الصلاة والسلام ولأمته من بعده.

واضاف ان ذكرى الاسراء والمعراج آية كبرى من آيات الله تعالى اكدت العلاقة الوثيقة بين المسجد الاقصى والمسجد الحرام لتدل على قدسية هذين المكانين، مشيرا الى ان المسجد الحرام اذا كان حرما آمنا مطمئنا، فإن المسجد الاقصى ارض رباط الى يوم القيامة ليظل في عقول المسلمين وفي قلوبهم ومنتدياتهم وتاريخهم وأزمانهم يشدون اليه الرحال ليستشعروا المسؤولية تجاهه فهو القبلة الاولى وهو المسرى الذي بارك الله حوله. واكد ان الواجب اليوم على المسلمين ان يحشدوا طاقاتهم الاعلامية ليجعلوا القدس واكنافها قضيتهم المركزية في المحافل الدولية وعلى كل المستويات، اذ ان رسول صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين في حديث ميمونة المشهور أن يعملوا على نصرة القدس ماديا ومعنويا حين قال لها (فإن لم تأتوه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله)، فعمارة القدس المادية والمعنوية فريضة على المسلمين كلهم. وحضر الاحتفال كبار المسؤولين من مدنيين وعسكريين، وعدد من سفراء الدول العربية والإسلامية المعتمدين لدى البلاط الملكي الهاشمي.






الاثنين، 2 مايو 2016

خطبة الجمعة مكتوبة 29/4/2016م .. هدايا الإسراء والمعراج.

 خطبة الجمعة
هدايا الإسراء والمعراج
29/4/2016م
لفضيلة الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
خطيب المسجد الاقصى المبارك



الحَمْدُ للهِ ذِي الجَلالِ والإِكْرَامِ، سُبْحَانَهُ أَسرَى بِعْبَدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأَقصَى ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ،قال وهو أصدق القائلين:"ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى" وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، شرح اللهُ  له صدره ، ورفع له فِي العَالَمِينَ ذِكْرَهُ، ،  فخر المشارق والمغارب أحمد     هو قدوتي وله المناقب تشهد
           ذاك الشفيع إذا الجحيم تأججت      إذ لا مناص ونارها تتوقد
 اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَيه وَعَلَى آلِهِ وأصَحْابِهِ أجمَعِينَ، وعلى التَّابِعِينَ وعلى من تبعهم بِإحسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ
أما بعد، أيها المسلمون:
ثلاث هدايا لو وزنت  كل هدية منها بالدنيا وما فيها لوزنتها ،أهداها الله لكم في رحلة الإسراء والمعراج ، وأتاكم بها رسولكم صلى الله عليه وسلم من عند ربه،

الهدية الأولى: أن الله يغفر لكم الكبائر من الذنوب والمعاصي ، والهدية الثانية : الصلوات الخمس ، والهدية الثالثة : خواتيم سورة البقرة،فاحمدوا الله على هذه النعم واشكروه ، والزموا هديه وهداياه ولا تكفروه فإن الله يأمرنا قائلا :"فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون".
أيها المؤمنون:
 روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : [ فأُعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً – أي مما أعطي – (لما رفع فوق السماء السابعة) : الصلوات الخمس ، وخواتيم سورة البقرة ، وغُفِرَ لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحماتُ] أي غفرت المقحمات لمن لم يشرك بالله من أمته والمقحمات هي الذنوب العظيمة الكبيرة التي تقحم صاحبها وتزجه في نار جهنم ،أعاذنا الله وإياكم منها


وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن شفاعته لأهل الكبائر من أمته فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي] ، فالله سبحانه وتعالى يشفـّع نبيه في أهل الكبائر ويقبل شفاعته ويغفر لهم ويرحمهم فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ،وهذه أعظم هدية  لكم في  رحلة الإسراء والمعراج ، فمن كان مقيما على كبيرة أو ارتكب كبيرة فلا يقنط من رحمة الله وليسارع إلى التوبة ففي الحديث القدسي : [يا ابن آدم لو أتيتني بقـُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة] أي لو أتيت بما يقارب ملء الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ، وهذا من فضل الله على هذه الأمة ،  فاللهم توفنا على الإيمان وأدخلنا في رحمتك يا ذا الجلال والإكرام.


يا عباد الله :
 والهدية الثانية التي نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج  خواتيم سورة البقرة وهما آخر آيتين منها ،وقد امتن الله على نبيه  صلى الله عليه وسلم بهما ، وبما لهما من الفضائل العظام،  وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة   منها حديث عقبة بن عامر الجهني قال : [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة ، فإنهما من كنز من تحت العرش] أي هذه من الكنوز الثمينة وتلقيتها من تحت عرش الرحمن ، فهاتان الآيتان  كنز عظيم نتقرب به إلى رب العالمين ، وكل مسلم منا لا يستغني عن هاتين الآيتين لتكونا حرزا له ولأهله من الشياطين ،ولتكفياه شر كل ذي شر من حاسد وعائن وساحر ومن كل مكروه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم [الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه].قال الإمام النووي : (كفتاه) تحتمل أمرين لعل الله يجمعهما للقارئ بفضل رحمته : كفتاه عن قيام الليل إذا لم يتيسر له أن يقوم في تلك الليلة لغلبة نوم أو تعب ، فيكون له أجر قيام الليل بفضله ورحمته ،وكفتاه تلك الليلة كل مكروه وأذىً وبلية.وقال أيضا : [الآيتان من آخر سورة البقرة لا تُقرآن في دار ثلاث مرات فيقربها الشيطان] أي فمن قرأها ثلاث مرات في بيته فلا يقرب الشيطان هذا البيت في ذلك اليوم.وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال [لا أرى أحداً يعقل ينام قبل أن يقرأ آية الكرسي والآيتين من آخر سورة البقرة]


يا عباد الله
 وأما الهدية الثالثة من ربنا عز وجل لنا فهي الصلوات الخمس، حيث فرضت في  ليلة الإسراء في معراجه صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى،فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو يروي لأصحابه حديث الإسراء والمعراج : [ففرض الله علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فمررت فنزلت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت خمسين صلاة ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك وخبرتهم] أي أنا أعلم الناس بأحوال الناس ، إذ قد فرض الله على بني إسرائيل صلاتين في الغداء والعشي فما أطاقوها ولا فعلوها ، فكيف ستؤدي أمتك خمسين صلاة ؟ إنها لن تطيق ذلك، قال نبينا عليه الصلاة والسلام : فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب خفف عن أمتي ، فحط عني خمساً ، فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمساً ، قال : فإن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام : فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ، حتى قال ، يا محمد ، إنهن خمس صلواتٌ كل يوم وليلة بكل صلاة عشر ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت عشراً ، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب شيئاً فإن عملها كتبت سيئة واحدة ، قال : فنزلت إلى موسى ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف (أي ليخفف من الخمس أيضاً شيئاً) فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه] وفي رواية فلما جاوزت نادى منادٍ : (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ، فهي خمس وفي الأجر خمسون).
 يا مسلمون:
والحكمة من فرضية الصلاة في تلك الليلة المباركة ، وفي ذلك المكان الذي هو أشرف الأمكنة فوق السموات العلا، ليجمع الله لهذه الأمة عبادات الملائكة بأسرها في ركعة من ركعات الصلاة وهي القيام والركوع والسجود،  فالصلاة لها أثر معتبر ومنزلة عظيمة ، ولا تنسوا أن الصلاة فرضت في سماء المسجد الأقصى وان النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد الأقصى الصلوات بأنواعها الفريضة والنافلة ومنفردا وإماما ، فلا تغفلوا عن هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم بالصلاة في المسجد الأقصى نافلة وفريضة وجماعة ومنفردين  واحذروا من ترك الصلاة أو الانشغال عنها فإن تارك الصلاة وصفه الله أنه من الذرية الطالحة وتوعده بعذاب النار فقال سبحانه:" فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا" وغيّ واد في جهنم نعوذ بالله منها  ، ولقد سمعت رجلا تجاوز الأربعين من عمره  من أهل القدس يفتخر أنه لم يدخل المسجد الأقصى في حياته إلا مرة واحدة حين مات أبوه ، وأنه لم يركع لله ركعة واحدة في حياته لا في المسجد الأقصى ولا في غيره ، فمثل هذا الرجل الخبيث لا ينبغي أن يكون بيننا لأنه باب من أبواب الهزيمة وركن من أركان الغواية والضلال ،فاللهم ثبتنا على طاعتك وأعذنا من كفرانك ومعصيتك.
  يا مؤمنون:
ولقد رأى البني صلى الله عليه وسلم في إسرائه ومعراجه من آيات ربه الكبرى الآيات الكثيرة ،منها بعض نعيم أهل الجنة وبعض عذاب أهل النار،فقد مر صلى الله عليه وسلم على قوم ترضخ (تدق تكسر) رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء ، فقال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : "هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة".فانهضوا لصلواتكم ولا تتثاقلوا عنها هو خير لكم .
يا عباد الله:
ومرالنبي صلى الله عليه وسلم في معراجه  على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضيج ، ولحم آخر نيئ خبيث فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب ، قال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : الرجل من أمتك يقوم من عند امرأته حلالا ً ، فيأتي المرأة الخبيثة فيبيت معها حتى يصبح ، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا ً طيباً فتأتي الرجل الخبيث فتبيت عنده حتى تصبح"وهذا الزنى وهذا شيء من عذاب الزناة يوم القيامة ، فنقول للخبيثين وللخبيثات من الرجال والنساء توبوا إلى الله ولا تنجسوا فراشكم الطاهر بهذه القاذورات ،ولا تدخلوا على أنسابكم وعلى أنساب الناس ما ليس منها ، وإذا كان عذاب الزاني المتزوج في الدنيا الرجم بالحجارة حتى يموت فكيف يكون عذابه في النار،فاللهم اهدنا وطهر فروجنا من الحرام.
يا مسلمون


ومر رسولنا صلى الله عليه وسلم  بقوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم ، فقال من هؤلاء يا جبريل ، قال هؤلاء أكلة الربا" ،فالربا حرام لقول الله تعالى :" وأحل الله البيع وحرم الربا "، وبعض المسلمين اليوم يجترؤ على الحرام فيتعامل بالربا بأخذ القروض من البنوك الربوية أو بالتعامل معها بالربا ، ويكفي آكل الربا حقارة ومهانة الصورة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله :" الربا ثلاث وسبعون بابا أيسرها أن ينكح الرجل أمه،"وقوله أيضا:" درهم ربا يأكله الرجل أشد من ست وثلاثين زنية"،فالتوبة التوبة يا أكلة الربا ،  تعاملوا مع البنوك الإسلامية الموجودة في بلادنا ولا تقولوا جهلا وعدوانا : لا فرق بينها وبين البنوك الربوية ، فشتان شتان بين الحلال والحرام ، وبين الطريق إلى الجنة والطريق إلى النار ، وقد قال الله عز وجل :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون"

أيها المسلمون:
ومر نبينا صلى الله عليه وسلم في معراجه على رجل قد جمع حزمة عظيمة من حطب لا يستطيع حملها ثم هو يريد أن يزيد عليها ، فقال : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس لا يستطيع أداءها ثم هو يزيد عليها ويطلب آخر"، وهذا هو حال بعض الشباب من أبنائنا يريد أن يغنى في يوم وليلة ، ولا يقنع بما رزقه الله فيأخذ أموال الناس ليتاجر فيها فتصبح عليه مئات الآلآف من الشواقل ديونا  ويعجز عن أدائها لأصحابها فتؤدي إلى المنازعات والخصومات ،فلماذا لا تقنع بما رزقك الله ؟ ولماذا تأكل أموال الناس بالباطل؟ ولماذا تحرج نفسك وعشرتك معك حيث تعجز عن السداد ، وحسبك أيها المسلم قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله"
يا مرابطون :"
ومر صلى الله عليه وسلم في معراجه على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه" .
فاللهم اجعلنا ممن ينفق في سبيلك ويعمل لنصرة دينك ، وبارك لنا في أرزاقنا ، وأعذنا من الحرام ،وانعم علينا  بالطيبات ، وتوفنا وأنت راض عنا.
عباد الله : استغفروا الله فإن الله غفور رحيم ، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل ساه لاه ، فادعوه وأنتم موقنون بالإجابة"

الحمد للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ
.
  
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عباد الله:
 وفي معراجه صلى الله عليه وسلم مر بقوم مشافرهم (شفاههم) كالإبل يلتقمون حجراً فيخرج من أسافلهم ، فقال له جبريل : هؤلاء آكلة أموال اليتامى".وقد بين الله تعالى أن من يأكل مال اليتيم فإنه يأكل في بطنه نارا فقال سبحانه:" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا"،وكذلك من يأكل ميراث البنات والأخوات فمصيره النار ولن ينجيه ماله ولا أبناؤه الذين ورثوا هذا المال من عذاب النار يوم القيامة ،والنبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من الاعتداء على مال اليتيم والمرأة فيقول :" اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة "،ومعنى أحرج : أضيق على الناس من تضييع حقهما وأشدد عليهم في ذلك"
 يا مسلمون، يا مؤمنون:
وعرضت  للنبي صلى الله عليه وسلم وهو مع جبريل في المعراج امرأة حسناء جميلة ، فقال له جبريل: هذه المرأة الحسناء هي الدنيا دعتك إلى نفسها. ، ومر بشيء يدعوه متنحياً عن الطريق ، فقال له جبريل : سر ، ثم قال له : الذي دعاك هو إبليس" فالمسلم في الدنيا بين شهوة يزينها الشيطان له وبين شبهة يعرضها عليه ،فلا تأخذوا من الشهوات إلإ ما أحله الله وبالقدر الذي حدده الله ، وأعرضوا عن الشبهات ولا تقربوها فمن اتقى الشبهات  فقد استبرأ لدينه وعرضه  كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم
أيها  المرابطون أيها المؤمنون:
وأتى صلى الله عليه وسلم على وادٍ فوجد ريحاً طيبة ووجد ريح مسك مع صوت ، فقال : ما هذا ؟ قال : صوت الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقري ومرجاني وقضبي وذهبي وأكوابي ومما في وأباريقي وفواكهي وعسلي وثيابي ولبني وخمري ، ائتني بما وعدتني ، قال : لك كل مسلمة ومسلم ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي شيئاً ولم يتخذ من دوني أنداداً فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا خلف لميعادي ، قد افلح المؤمنون ، تبارك الله أحسن الخالقين فقالت : قد رضيت.
وأتى صلى الله عليه وسلم على وادٍ فسمع صوتاً منكراً ، فقال : يا جبريل ما هذا الصوت ؟ ، قال : هذا صوت جهنم تقول : يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وبعد قعري واشتد حري ، ائتني بما وعدتني ، قال : لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب ، قالت : قد رضيت.
اللهم ارزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، وأجرنا من النار وما قرب إليها من قول وعمل..    اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعاً مَرْحُوْماً، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقاً مَعْصُوْماً، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْماً.
  
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.
  
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَ كُلاًّ مِنَّا لِسَاناً صَادِقاً ذَاكِراً، وَقَلْباً خَاشِعاً مُنِيْباً، وَعَمَلاً صَالِحاً زَاكِياً، وَعِلْماً نَافِعاً رَافِعاً، وَإِيْمَاناً رَاسِخاً ثَابِتاً، وَيَقِيْناً صَادِقاً خَالِصاً، وَرِزْقاً حَلاَلاً طَيِّباً وَاسِعاً، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
  
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوْفَهُمْ، وَأَجمع كلمتهم عَلَى الحق، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظالمين، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعَبادك أجمعين.
االلهم احفظ المسجد الأقصى من كيد الكائدين وعدوان المعتدين وارزقنا الرباط فيه في  كل وقت وحين
  
رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
  
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ.
  
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ.
  
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ.
  
عِبَادَ اللهِ :
 
إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ "فاذكروا الله يذكركم واشكروه يزدكم واستغفروه يغفر لكم واستهدوه يهدكم " وأنت يا مقيم الصلاة أقم الصلاة :"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر  والله يعلم ما تصنعون"






خطبة الجمعة 29-4-2016م للشيخ محمد سليم محمد علي من المسجد الاقصى المبارك

خطبة الجمعة 29-4-2016م للشيخ محمد سليم محمد علي من المسجد الاقصى المبارك  



من فقه القرآن : سدرة المنتهى

من فقه القرآن
سدرة المنتهى
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس

قال الله تعالى :" ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى" سورة النجم (13-15)
فقه الآيات الكريمات وفوائدها في المسائل الآتية:
المسألة الأولى:  من الآيات التي رآها  النبي محمد صلى الله عليه وسلم في السموات عندما عرج به إلى السموات العلا رؤية سدرة المنتهى وما يوجد حولها من عجائب .

المسألة الثانية: ,ثبت في حديث الإسراء والمعراج من رواية مالك بن صعصعة رضي الله عنه وفيه : يقول النبي صلى الله عليه وسلم [ثم رُفِعْتُ إلى سدرة المنتهى وفي رواية:: ثم رُفِعَتْ لي سدرة المنتهى أي أظهرت وبينت فإذا نَبِقْهَا (بفتح النون وإسكان الباء ، ويقال بكسر الباء وهو ثمر السدر مثل قلال هجر (جمع قلة وهى وعاء كبير يوضع فيه الماء من الفخار ، وهجر بلدة في البحرين وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، قلت : ما هذه يا جبريل؟ : قال : هذه سدرة المنتهى ، وإذا أربعة أنهار تخرج من أصلها : نهران باطنان (أي يسيران إلى داخل الجنة) ونهران ظاهران (إلى خارجها) قلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة ، وأما الظاهران فالنـِّيْل والفرات.
المسألة الثالثة:  سدرة المنتهى في السماء السادسة فما يعرج من الأرض ويصعد ينتهي إليها ،وما يهبط من السماء فما فوقها وينزل يكون محل هبوطه عندها ، ثم تأخذه الملائكة الموكلة بتبليغه إلى ما شاءت ، من أهل سدرة المنتهى ، فما يصعد يقف عند سدرة المنتهى وما يهبط يقف عند سدرة المنتهى ثم تتولى الملائكة وتوزيعه حسب ما يأمرها الله عز وجل.
 المسألة الرابعة:قال الإمام النووي: سميت سدرة المنهتى لأن علم الملائكة ينتهي إليها فلا يتجاوزها، فالملائكة لا تعلم ماذا يوجد بعد سدرة المنتهى ، وسدرة المنتهى أصلها في السماء السادسة ،وأغصانها وفروعها في السماء السابعة والملائكة لا تتجاوز هذا.

المسألة الخامسة:
وقال الله تعالى:(إذ يغشى السدرة ما يغشىوالذي غشي السدرة عدة أمور منها :
أ- ما ثبت في حديث ابن مسعود المتقدم في صحيح مسلم وفيه [ أنه غشيها فراش من ذهب ] أي مملوءة بفراش من ذهب
قد يقول قائل: فراش من ذهب له روح كيف هذا؟
نقول : يا عبد الله ، لماذا هذا التفكير ؟ فهل إذا كان الفراش من عصب أو لحم يمكن أن يكون فيه روح ويتحرك وإذا كان من ذهب لا يمكن؟ لماذا هذا التفكير؟
ألم ينزل على نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام عندما اغتسل بعد أن برأ من مرضه عندما قال الله له : (هذا مغتسل بارد وشراب) فسقط عليه جراد من ذهب فبدأ نبي الله أيوب يغترف من هذا الجراد فقال الله له : ما هذا يا أيوب أوليس قد أغنيتك؟ فقال يا رب لا غنى لي عن بركتك. أي هذه البركة نزلت من عندك فأنا سآخذها وأجمعها.
والحديث في صحيح البخاري ، وهذا حصل في حياتنا الدنيوية هنا ، أفلا يعقل في مثل هذه الرحلة المباركة التي حصلت لخير البرية عليه الصلاة والسلام أن يكون هناك فراش من ذهب يطير حولها ويعيش فيها وكل هذه الرحلة خوارق وعجائب.
ب- ورد عن أبي سعد الخدري وابن عباس رضي الله عنهم قالا : [إنه يغشاها ملائكة الله] وثبت في سنن البيهقي عن أبي سعد الخدري رضي الله عنه أنه قال : [ على كل ورقة منها ملك لله].
جـ- ورد أنه تغشاها أنوار عظيمة ، ففي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : [فلما غشيها من أمر الله ما غشيها (أي من أنواره) تغيرت فما أحد من خلالها  يستطيع أن ينعتها من حسنها، وقال نبينا عليه الصلاة والسلام عن هذه السدرة :"فإذا نَبْقِها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة.

المسألة السادسة :
خصت هذه الشجرة بالذكر ووضعت في ذلك المكان ورآها نبينا عليه الصلاة والسلام؟
خصت لثلاثة أمور
أولها : ثمرها طيب.
ثانيها : رائحتها ذكية.
ثالثها : ظلها واسع.
فإذن لها طعم ولها ريح ولها ظل ، فخصت لهذه الاعتبارات الثلاثة .

   المسألة السابعة : وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ- وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى- قَالَ: (يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّ الْغُصْنِ مِنْهَا مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا مِائَةَ رَاكِبٍ- شَكَّ يَحْيَى- فِيهَا فَرَاشُ الذَّهَبِ كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلَالُ) ، وَكَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ (ثُمَّ ذُهِبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ فَمَا أَحَدٌّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا .
المسألة الثامنة : وَاخْتُلِفَ لِمَ سُمِّيَتْ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى عَلَى أَقْوَالٍ تِسْعَةٍ:
 الْأَوَّلُ- مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مسعود أنه ينتهي إليها كلما يَهْبِطُ مَنْ فَوْقِهَا وَيَصْعَدُ مَنْ تَحْتِهَا
الثَّانِي- أَنَّهُ يَنْتَهِي عِلْمُ الْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهَا وَيَعْزُبُ عِلْمُهُمْ عَمَّا وَرَاءَهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
 الثَّالِثُ- أَنَّ الْأَعْمَالَ تَنْتَهِي إِلَيْهَا وَتُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ.
 الرَّابِعُ- لِانْتِهَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهَا وَوُقُوفِهِمْ عِنْدَهَا، قَالَهُ كَعْبٌ.
 الْخَامِسُ- سُمِّيَتْ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى لِأَنَّهَا يَنْتَهِي إِلَيْهَا أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. السَّادِسُ- لِأَنَّهُ تَنْتَهِي  إِلَيْهَا أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَهُ قَتَادَةُ.
السَّابِعُ- لِأَنَّهُ يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى سُنَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهَاجِهِ، قَالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ أَيْضًا.
الثَّامِنُ- هِيَ شَجَرَةٌ عَلَى رُءُوسِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِلَيْهَا يَنْتَهِي عِلْمُ الْخَلَائِقِ، قَالَهُ كَعْبٌ أَيْضًا. قُلْتُ: يُرِيدُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ ارْتِفَاعَهَا وَأَعَالِيَ أَغْصَانِهَا قَدْ جاوزت رءوس حملة العرش، ودليله مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَصْلَهَا فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَأَعْلَاهَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثُمَّ عَلَتْ فَوْقَ ذَلِكَ حَتَّى جَاوَزَتْ رُءُوسَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
 التَّاسِعُ- سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ رُفِعَ إِلَيْهَا فَقَدِ انْتَهَى فِي الْكَرَامَةِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتهي به إلى سدرة الْمُنْتَهَى فَقِيلَ لَهُ هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ خَلَا مِنْ أُمَّتِكَ عَلَى سُنَّتِكَ، فَإِذَا هِيَ شَجَرَةٌ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه،
أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَإِذَا هِيَ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْمُسْرِعُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا.
المسألة التاسعة: قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى) تَعْرِيفٌ بِمَوْضِعِ جَنَّةِ الْمَأْوَى وَأَنَّهَا عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.
 وَقِيلَ: إِنَّهَا الْجَنَّةُ الَّتِي يَصِيرُ إِلَيْهَا أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَهِيَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ.
 وَقِيلَ: هِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي آوَى إِلَيْهَا آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى أَنْ أُخْرِجَ مِنْهَا وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
 وَقِيلَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ كُلِّهُمْ فِي جَنَّةِ الْمَأْوَى. وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا: جَنَّةُ الْمَأْوَى لِأَنَّهَا تَأْوِي إِلَيْهَا أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيَتَنَعَّمُونَ بِنَعِيمِهَا وَيَتَنَسَّمُونَ بِطِيبِ رِيحِهَا.
 وَقِيلَ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يَأْوِيَانِ إِلَيْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
المسألة العاشرة: قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ
وَقَالَ الْحَسَنُ: غَشِيَهَا نُورُ رَبِّ العالمين فاستنارت. وَفِي خَبَرٍ آخَرَ (غَشِيَهَا نُورٌ مِنَ اللَّهِ حَتَّى مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا).
 وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: غَشِيَهَا نُورُ الرَّبِّ وَالْمَلَائِكَةُ تَقَعُ عَلَيْهَا كَمَا يَقَعُ الْغِرْبَانُ عَلَى الشَّجَرَةِ.
 وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: رَأَيْتُ السِّدْرَةَ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ وَرَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مَلَكًا قَائِمًا يُسَبِّحُ [اللَّهَ تَعَالَى)] وَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى ذكره
. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى) قَالَ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ وَقَدْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهُ رَفْرَفٌ أَخْضَرُ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (يَغْشَاهَا رَفْرَفٌ مِنْ طَيْرٍ خُضْرٍ).
 وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَغْشَاهَا رَبُّ الْعِزَّةِ، أَيْ أَمْرُهُ:
 وَقِيلَ: هُوَ تَعْظِيمُ الْأَمْرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا أَعْلَمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ دَلَائِلِ مَلَكُوتِهِ.

والحمد لله رب العالمين


الجمعة، 22 أبريل 2016

من فقه القرآن : المعراج والصلاة

من فقه القرآن

المعراج والصلاة

الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي

إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس
www.algantan.com


قال الله تعالى : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) سورة النجم آية 10

فقه الآية الكريمة وفوائدها في المسائل الآتية :

المسألة الأولى : هذه الآية الكريمة جاءت في أوائل سورة النجم في الآيات التي تخبر عن معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السموات العلى في رحلة الإسراء والمعراج .

المسألة الثانية : وقد أوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أمورا عديدة منها أنه فرض عليه الصلاة في معراجه أليه ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( فأوحى الله إلى ما أوحى ، وفرض علي في كل يوم وليلية خمسين صلاة )

المسألة الثالثة : وفرض الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته معه ومن بعده في ليلة المعراج ، بيان لأهميتها وأنها أوكد شعائر الإسلام ، فهي الفريضة الوحيدة التي فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم من غير وساطة الوحي جبريل عليه السلام

المسألة الرابعة : والقارئ والدارس لمعجزة الإسراء والمعراج كما وردت في مصادرها الصحيحة من كتب السنة الشريفة والحديث الشريف ، يجد أن الصلاة احتلت مساحة واسعة ، وكانت حاضرة بشكل فاعل في إسرائه صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ، وفي معراجه ألى السموات العلى من المسجد الأقصى المبارك .

المسألة الخامسة : أما في المعراج فقد روى أنس قال : " فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به خمسين ، ثم نقصت حتى جعلت خمسا ، ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي ، وأن لك بهذه الخمس خمسين ) وفي الحديث الطويل الذي يرويه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثم ذهبت إلى سدرة المنتهى ، فإذا أوراقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمارها كالقلال ، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها ، فما يستطيع أحد من خلق الله أن يصفها من حسنها ، قال : فأوحى الله إلي ما أوحى وقد فرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة ، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ، قال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت : خمسين صلاة في كل يوم وليلة ، قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فأن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني قد بلوت بني اسرائيل وخبرتهم .. وظل النبي صلى الله الله عليه وسلم يرجع بين ربه عز وجل وبين موسى ويحط عنه خمسا خمسا حتى قال : يا محمد هنّ خمس صلوات في كل يوم وليلة ، بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة .. "

المسألة السادسة : وإذا كان المعراج وثّق صلة النبي صلى الله عليه وسلم بالله تعالى أكثر من ذي قبل ، حيث وصل إلى سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قوب قوسين وأدنى ، فإن الصلاة تؤكد قرب العبد من ربه وقربه منه عز وجل ، فإذا نوى المسلم وكبّر تكبيرة الإحرام وقال : الله أكبر ، ودخل في صلاته كان ذلك منه عروجا إلى ربه عز وجل ، وصلة منه به سبحانه ، منقطعا عن عالم الدنيا بما فيه شهوات وفتن ومغريات ومضّلات ، وإذا أردت التمثيل لهذه المسألة فإني أشبهها بالهاتف المحمول ( البلفون ) فالواحد منا يضغط على أزرار الهاتف المحمول وفي لحظات يتكلم مع غيره من البشر ولو كان في أقصى الأرض ، وهكذا الصلاة ، فهي مناجاة وكلام من العبد مع الله تعالى ، فهي تسبيح وحمد وثناء واستغفار وشكر وذكر

المسألة السابعة : والمعراج له ثلاث منازل وهي :

من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

ومن المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى

ومن سدرة المنتهى إلى قاب قوسين وأدنى

فأن الصلاة هي معراج العبد المسلم إلى الله تعالى بثلاث منازل أيضا وهي : القيام ، والركوع ، والسجود . والسجود هو أقرب منازل المسلم من ربه تعالى ، فإذا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم برتبته ومنزلته إلى قاب قوسين وأدنى ، فإن العبد المسلم بصلاته أثناء سجوده يصل إلى أقرب مقام من ربه ، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) ولهذا القرب فقد حثّ النبي عليه الصلاة والسلام المسلم أن يستغل سجوده وهو قريب من ربه بالدعاء وقال ( فاجتهدوا بالدعاء ـ يعني في السجود ـ فقمنى ـ حري ـ أن يستجاب لكم ) ، فلحظات السجود هي لحظات الاتصال مع الله تعالى من غير وساطة أو ترجمان

المسـألة الثامنة : وإذا كان الإسراء والمعراج تسلية وتسرية للنبي صلى الله عليه وسلم عما لاقاه من أذى واضطهاد من الكفار والمشركين ، فإن الصلاة أيضا هي تسلية وتسرية للمسلم عما يلاقيه من عناء الدنيا وهمّها ونكدها ، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول ( أرحنا بالصلاة يا بلال ) فالصلاة هي موطن راحة البال ، وموطن سكن النفس وطمأنينتها ، وهي سبب لسكون الأعصاب وهدوئها ، فلا عجب إذن حين نسمع النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول ( وجعلت قرة عين في الصلاة )

فالصلاة هي إسراء المسلم إلى ربه ، وهي معراجه إليه عز وجل

المسألة التاسعة : ومصور الصلاة بشكل واسع ، وفاعل ومؤثر في إسراء النبي ومعراجه ، يؤكد ما ذكرته من معان ودلالات ، فصلاة الفريضة ، وصلاة النافلة ، وصلاة الجماعة ، وشعائر الصلاة من اذان وإقامة وإمامة وما يترتب على ترك الصلاة والتشاغل عن بعضها من عقوبة ، كل ذلك كان حاجزا في رحلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وفي معراجه أيضا .

المسألة العاشرة : أما صلاة الفريضة فقد ذكرت الحديث الوارد في فريضتها مباشرة دون وحي ، والمسلمون يجمعون على أن الصلاة هي الركن الثاني بعد الشهادتين ، وهي عمود الإسلام ، وهي فريضة محكمة ، على كل مسلم ، بالغ عاقل أن يؤديها ، ويكفر تاركها جحودا وتكاسلا على الصحيح من قول إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه فالتفريط فيه تفريط في الدين ، وقد كان عمر بن الخطاب يقول : لا إيمان لمن لا صلاة له ، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام للأعرابي الذي جاء من بني سليم بعد أن أسلم قال له : ( الحمد لله الذي هداك لهذا الدين الذي يعلو ولا يعلى ، لا يقبله الله إلا بالصلاة ) وقد أجمعت الأمة على فريضة الصلاة ، وأن المسلم يؤديها على الوجه الذي يستطيع به أداءها ، وإذا فقدت وضاعت ضاع الدين كله .

المسألة الحادية عشرة : وفي معراجه صلى الله عليه وسلم رأى عقوبة الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها ، فقد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ، لا يضّر عنهم من ذلك شيء ، فقال : ما هذا يا جبريل ؟ قال جبريل : هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة وقد توعد الله بالعذاب في واد في جهنم اسمه ( ويل ) لمن أخرّ الصلاة حتى يخرج وقتها فقال سبحانه ( ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) وتوعد بالعذاب في واد ( غيّ) في جهنم لمن ترك الصلاة بالكلية فقال : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ) .

المسألة الثانية عشرة : وأما صلاة النافلة في رحلة الإسراء ، فصلاها جبريل عليه السلام ، وصلاة النبي محمد ، وموسى وعيسى وإبراهيم والأنبياء كلهم ، عليهم الصلوات والتسليمات وقد ورد ذلك في عديد من الروايات منها : رواية البيهقي قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( .. حتى أتيت بيت المقدس أنا وجبريل فصلى كل واحد منا ركعتين ) وفي رواية مسلم ( ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ) وفي رواية لمسلم أيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( مررت ليلة أسري بي بموسى عليه السلام قائما يصلي في قبره ) وفي رواية أخرى لمسلم ( .. وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي ) ( وإذا إبراهيم قائم يصلي )

المسألة الثالثة عشرة : وأما صلاة الجماعة والأذان والإقامة والإمامة ، ففي رواية ابن مسعود رضي الله عنه

قال النبي : ( ثم دخلت المسجد ـ أي المسجد الأقصى ـ فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع وساجد ، ثم أذن مؤذن ، فأقيمت الصلاة ، فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا فأخذ بيدي جبريل فصليت بهم ) وفي رواية أبي أمامة عند الطبراني ( ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدا صلى الله عليه وسلم ) وفي رواية مسلم ( فحانت الصلاة فأممتهم )

المسألة الرابعة عشرة : ومن خلال الروايات السابقة نرى حضور الصلاة وأهميتها في رحلة الإسراء والمعراج ، ويمكن أن نخلص إلى مجموعة من الفوائد مما سبق بيانه وذكره وهي :

أولا : أهمية الصلاة وأنها من أهم شعائر الإسلام حيث فرضت مباشرة من غير وحي

ثانيا : وجوب الصلوات الخمس في كل يوم وليلة

ثالثا : مضاعفة أجر الصلوات الخمس إلى أجر خمسين صلاة ، فإذا أضفنا هذه المضاعفة إلى مضاعفتها بخمسمائة صلاة في المسجد الأقصى نرى كم هو كرم الله وعطاؤه ورحمته بالمسلم المصلي

رابعا : تقديم الأتقى والأعلم للإمامة في الصلاة

خامسا : من التقوى ترك الإمامة لمن وجد من هو أحق منه بها

سادسا : ترك الصلاة يوجب العقوبة

سابعا : الصلاة فرض ونافلة


ثامنا : النافلة تصلى فرادى والفريضة تصلى جماعة

تاسعا : الأصل في الجماعة أن تصلى في المسجد

عاشرا : فضيلة شد الرحال إلى المسجد الأقصى وفضل الصلاة فيه

الحادي عشر : النبيون كلهم تبع للنبي صلى الله عليه وسلم لا يسع اتباعهم إلا اتباعه صلى الله عليه وسلم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم 



Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More