تعديل

الأربعاء، 5 مارس 2025

القدس حزينة وتخلو شوارعها من الزينة

القدس حزينة وتخلو شوارعها من الزينة
ليالي رمضان مميزة في مدينة القدس

أعتق رقبتك من النار

أعتق رقبتك من النار
رقائق إيمانية
الدكتور محمد سليم محمد علي
خطيب المسجد الأقصى
من خصائص ليالي رمضان ، أن كل ليلة منها يكتب الله فيها العتق من النار لكل مسلم ، كتب الله له العتق منها ، وذلك مصداقا لما رواه الترمذي في سننه رقم (682) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (وَلِلهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)،وإذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية لنعرف معاني كلمة " العتق" ، وعلاقتها بالمسلم الصائم في رمضان ، نجد أن العتق للصائم يشتمل على عدة معانٍ كلها – والله أعلم – مرادة من الحديث الشريف الدالّ عليها ، وهي : أولا : العتق في اللغة العربية يعني : الحرية ، وهو أشهر معانيها ، وأول ما يتبادر إلى ذهن سامعها ، والحرية مطلب إنساني لا يتنازل عنه البشر جميعهم ، لأنه أساس الكرامة الإنسانية ، وعليه تقوم الحياة ، ولأجل الحرية يبذل الأفراد والشعوب أرواحهم ،فإذا فقدوها كانت حريتهم أغلى من حياتهم ، ولنا أن نتصور هذا المعنى بالنسبة للمسلم الصائم ، فهو يبذل كل ما يستطيع من ترك شهواته ، ويسهر لياليه ، ويبذل مالهُ ، وينفقه في سبيل الله ، من أجل أن ينال أعظم حرية على الإطلاق ، هذه الحرية زمانها مطلق ، ونعيمها مغدق لا يزول ، وهي حرية الخلود في الجنة ، بعد أن كانت نيران جهنم متقدة ، تنتظره ليسجن فيها أبدا ، ويذوق فيها مرارة الذل ، وشدة الهوان ، ودوام البؤس ، إن هو انتهك حرمة رمضان ، ولم يظمأ نهاره ، ولم يجع بطنه فيه ، ولم يسهر ليله ، استجابة لأمر الله له بالصيام والقيام ، فما أعظم هذه الحرية ! وما أفضل هذا العتق من النار ! ثانيا : ومن معاني العتق في اللغة العربية : الكرم ، والعتق للمسلم الصائم من النار يوم القيامة من أعظم الكرم ، الذي يكرم الله به عباده المؤمنين المتقين ، الذين صاموا نهارهم ، وقاموا ليلهم في شهر رمضان ، وهل هناك كرم أفضل من كرم الحرية ؟ وهل هناك كرم أفضل من العتق من غضب الله على العبد ؟ وهل هناك كرم أنجى للعبد من العذاب في نار تتلظى ؟ والكرم الذي هو من معاني العتق في اللغة العربية ، يدلل على كرم الله المطلق ، وعلى اسم من أسمائه وهو " الكريم " ، وقد أمرنا الله سبحانه إذا دعوناه أن نكثر في دعائنا من قول " يا ذا الجلال والإكرام " ، ثالثا : ومن معاني العتق في اللغة العربية : الجمال ، وكيف لا يكون العتق من نار جهنم جمالا، وبه تصير الوجوه كما أخبرنا الله ( مسفرة ، ضاحكة مستبشرة) ، ولماذا لا تكون ليالي رمضان ليالي الجمال ، وفيها تصفو الروح ، ويقف الجسد في التراويح والقيام مرتاحا من كدر المعصية ، ونقيّا من دَرَن الذنوب ؟ أليس هذا هو الجمال بعينه ؟ أليس هذا هو العتق للروح والجسد من عبودية الدنيا ، والشهوات ، والملذات ؟ ولماذا لا تكون ليالي رمضان ليالي الجمال ، وفيها نزل القرآن ، وفيها تتنزل الملائكة البررة ، وفيها تصدح الحناجر بسور القرآن وآياته ؟ إن هذا لهو العتق الحقيقي للمسلم الصائم من ذل العبودية لغير الله تعالى ، هذا العتق الذي يضفي عليه جمالا في دنياه ، بالحياة المطمئنة ، وفي آخرته بالحرية التامة حين يسرح ويمرح في جنات عدن ، فيكون الجمال الأبدي ، حيث النعيم المقيم ، رابعا : ومن معاني العتق في لغة العرب : الصلاح ، والصلاح ميزان الحرية ، الذي به يوزن العتق للمسلم الصائم القائم ، لأن بالصيام والقيام صلاحه ، أليست حكمة الصيام كما أخبرنا الله بقوله : ( لعلكم تتقون) ؟ والتقوى هي جماع الصلاح كله ، وصلاح المسلم الصائم هو ثمرة صيامه ، وصلاح المسلم القائم في رمضان هو نتاج قيامه ،وهذا الصلاح به يكون المسلم عتيقا من المعصية التي تحبسه ، وبه يكون فكاكه من أسره الذي ينتظره يوم القيامة ، فهل أدركت أيها المسلم الصائم في رمضان ، والقائم في لياليه ، أهمية عتق رقبتك من ذل العبودية في الدنيا ، ومن سوء المصير في الآخرة ؟ إنه تكريم لإنسانيتك ، وجمال لشخصيتك ، وصلاح لذاتك ، ولا يكون عتقك إلا بهذه المعاني ، ولا نجاة لك من النار ، إلا بالقرب من ربك ، بالإيمان الصادق ، والإخلاص في القول والعمل ، وأداء ما فرض الله عليك ، واجتناب ما نهاك الله عنه ، فكن مع شهر رمضان كريما كي تكون عتيقه ، وكن في ليالي رمضان جميلا كي تكون فيها عتيقا ، واتخذ من تقلب نهار رمضان وليله طريقا لصلاحك ، كي تكون العتيق يوم الدين ، فهذا أبو بكر الصديق لقّبه النبي صلى الله عليه وسلم بالعتيق فقال له : (أنت عتيق من النار)، وكان رضي الله عنه يلقب بالعتيق لجماله أيضا ، فلا تخرج من شهر رمضان إلا وأنت محررٌ من سجن عبوديتك للشهوة والهوى ، فقم وتحرر منها كلها ، وتذكر أن ليالي رمضان ، فرصة لعتق رقبتك ، بكل ما تحمل هذه الكلمة من المعاني ، فقم هذه الليالي ، ولا تنم فيها إلا قليلا .
والحمد لله رب العالمين

الصيام المثمر

الصيام المثمر 
رقائق إيمانية
الدكتور محمد سليم محمد علي
 خطيب المسجد الأقصى المبارك
الصيام شجرة ، والمرجوّ منها ثمارها ، فإذا صمنا شهر رمضان فهذا يعني أننا غرسنا شجرته لنقطف منها ثمارها ، ولا يكفي أن تكون هذه الشجرة يانعة خضراء دون أغصان وارفة ، فمجرد الجوع والعطش واعتزال معاشرة الزوجات هو هذه الشجرة ، لكن ما يترتب على هذا الامتناع عن المفطرات الثلاثة التي ذكرتها لا يكفي للحصول على الثمرة ، لأن هذه المفطرات في أصلها مباحة للمسلم المكلف ، وإنما كان مقصد الامتناع عن هذه المباحات أن يمتنع المسلم المكلف بالصيام عن غيرها من المحرمات ، وهذه هي ثمرة الصيام الحقيقية والتي قال الله فيها ( لعلكم تتقون) سورة البقرة:(183)، ومع هذه الثمرة الأصيلة للصيام وهي التقوى وحتى يكون الصيام مثمرا ، ويؤتي أكله ، لا بد من التزام المسلم الصائم عدة أمور ، وهي : أولا : أن تتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام ، وأن تسلك طريقه ، وأن تكون على مجاهدته التي كان عليها أثناء شهر رمضان ، وهذا يتطلب منك أن تفقه صيام النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في سلوكه أثناء صيامه حتى تكون متبعا له صلى الله عليه وسلم ، وهذا أصل من أصول ديننا ، وهو أننا نتبع ولا نبتدع،لأن الأصل في العبادات الوقيف ،قال الله تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)سورة آل عمران : (132)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (من أطاعني دخل الجنة،ومن عصاني فقد أبى) ، رواه البخاري في صحيحه ، ثانيا : المسابقة إلى الطاعات والخيرات والتنافس فيها بقدر ما أعطاك الله من قوة بدنية ومالية وعلم وفقه ، وهذا مجاله واسع في شهر رمضان ، وباب مفتوح على مصراعيه ، والأصل فيه قول الله تعالى : (وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ)سورة المطففين : (26) ، فالمبادرة إلى كل خير ، والمبادرة إلى اجتناب كل شر ، هو الركن الذي يقوم عليه صيام المسلم في شهر رمضان ، وقال الله تعالى في المسابقة إلى الطاعات : (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)سورة آل عمران : (133) ، فلا بد من المسارعة إلى ما يوجب المغفرة ، ويعتق الرقبة من النار ، وهي الطاعة لله تعالى ، والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم ، فاستباق الخيرات ثمرة من ثمار الصيام ، فأداء الفرائض ثمرة ، والصبر عن المعاصي ثمرة ، والصبر على أقدار الله ثمرة ، وبقدر ما ينتج صيامك من ثمار يكون صيامك مقبولا ، وطريقا إلى ولوج الجنة المفتوحة أبوابها لك في شهر الصيام ، ثالثا : خلع عادات الجاهلية التي يلبسها كثير من الناس ، فكيف تكون صائما لله إيمانا واحتسابا وأنت تلبس ثياب الجاهلية وتتزين بزينتها ، كالعصبية ، وكراهية التحاكم إلى شرع الله ، والتبرج للمرأة ، واللباس غير المقبول من الرجال اليوم ، وغير ذلك كثير ؟ وأنت بأعمال الجاهلية تناقض إيمانك وصومك فانتبه رعاك الله وكن على حذر ، فكل هذه الأعمال هي كالأغصان اليابسة في شجرة صيامك ، قال ربنا عزّ وجلّ: (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)سورة المائدة : (50)، رابعا : التعاون مع جماعة المسلمين حولك على كل طاعة وبرِ وإحسان ، ولا يكفي أن يجمعنا أذان الفجر لنبدأ صيامنا ، وأن يجمعنا أذان المغرب لننهي صيامنا ، بل يجب أن يجمعنا شهر رمضان على سبيل الحق والتقوى والتناصح والتناصر عليهما ،قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : (الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) رواه النسائي رقم 4210، خامسا : أن تأمر بالمعروف ، وأن تنهى عن المنكر ، فكما أن من الواجب عليك حتى يقبل الله منك الصيام أن تحفظ جوارحك كلسانك وبصرك وسمعك ويدك وقدمك من كل منكر ، وأن تعمل كل هذه الجوارح في طاعة الله تعالى ، فإنه يجب عليك أن تكون آمرا بالمعروف ، وناهيا عن المنكر ، بضوابطه الشرعية ، وهذا جزء لا يتجزأ من عملك اليومي في كل يوم من أيام السنة ، وفي كل يوم وليلة من أيام وليالي رمضان ، لأنه لا يكفي أن تكون صالحا حتى تكون مصلحا ، والآيات الكريمة ، والأحاديث الشريفة كثيرة في وجوب الأمر بالمعروف ووجوب النهي عن المنكر ، ومن ذلك قوله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) سورة آل عمران : (104) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده لتامرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ، أو ليوشكنّ الله يبعث عليكم عذابا منه ثمّ تدعونه فلا يستجاب لكم ) رواه الترمذي 2169، فانظر رعاك الله كيف يكون تركك للأمر بالمعروف ، وإعراضك عن النهي عن المنكر مانعا من استجابة عائك ، وأنت في صيامك لك دعوة مستجابة فلا تغلق الباب في وجهها ، وليكن صومنا مثمرا بثماره الدانية ، بالكف عن الآثام في رمضان ، ثم بأعمال الخير وهي كثيرة ، وثمارها قريبة مثل : صلة الرحم والصدقة وإخراج الزكاة وكفّ الأذى عن المسلمين ،والتعاون على الخير ، والتنادي إلى إغلاق أبواب الشر التي أغلقها الله بإغلاق الجحيم.
والحمد لله رب العالمين

الاثنين، 3 مارس 2025

استقبال شهر رمضان

رقائق إيمانية
 استقبال شهر رمضان
الدكتور محمد سليم محمد علي
خطيب المسجد الأقصى المبارك
لأن شهر رمضان يتميز بحضوره فينا عن باقي الشهور، فإن من واجبه علينا أن نستقبله استقبالا يليق به ، وذلك على النحو الآتي : أولا : التوبة النصوح ، لأنه شهر المغفرة ، وشهر العتق من النار ، وشهر علوّ الدرجات ، وشهر تفتح فيه أبواب الجنة ، وتغلق فيه أبواب النار ، فلا يليق أبدا لمسلم أن يستقبله ، وهو متسخ بقاذورات المعاصي ، وأدران الذنوب ، فلا بدّ له من توبة نصوح تليق به ، وتصلح لاستقباله ، وأول التوبة الندم على التقصير في الفرائض ، والندم على الاجتراء على المحرمات ، والتوبة النصوح هي التوبة الصادقة ، وليست توبة الكذابين ، وليست استغفار المستغفرين بألسنتهم دون قلوبهم وجوارحهم ، قال الله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) سورة التحريم:(8)، فنستقبل رمضان ببغض المعاصي ، وعدم الرجوع إليها ، وإدمان الطاعات ، وهجر قرناء السوء، ورد المظالم والحقوق إلى أصحابها ، واستحلال الخصوم ، وقلة الطعام والكلام والمنام ، فكل هذه المعاني للمسلم يحتاجها في رمضان ليحسن استقباله أحسن استقبال ، الإخلاص : فلا يقبل صيام صائم رياء ،أو سمعة ، وليس من المروءة أن يستقبل المسلم شهر رمضان بقلب لا يحمل الإخلاص فيه لرب رمضان عزّ وجل ، مع العلم أن العمل لا يقبل من مسلم حتى يكون خالصا لله تعالى ، وصوابا موافقا لسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم ، فحتى تكون من المقبولين في رمضان أشهر توبتك ، وأحسن إخلاصك لربك العظيم ، ثالثا: قطع الوشائج والعلاقات قبل دخول شهر رمضان ، مع كل عادة أو عمل ، مخالف للقرآن الكريم ، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، بل مخالف لتعليم ديننا الحنيف ، فشهر رمضان شهر الطاعات ، فكيف تستقبل شهرا بهذه الصفة ، وأنت معتاد على المعاصي والسيئات والذنوب ؟رابعا : العزيمة الصادقة على التشمير لفعل الطاعات ، والإقبال على الله سبحانه بالأعمال الصالحات ، فأنت تستقبل ضيفا كريما ، يفتح لك فيه أبواب الخير ، ويغلق لك فيه أبواب الشر ، ويقول لك : ( يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشرّ أقصر ) ، وكما أن هذا الشهر كريم ، فكن أنت حين تستقبله كريما مع أهلك ، أوسع عليهم من النفقة ، وكن كريما مع رحمك ، بصلتهم حق الصلّة ، إن أساءوا أعفُ عنهم ، وإن منعوك رفدهم وخيرهم ، فأعطهم ولا تمنع عنهم خيرك ، وإن قاطعوك ولم يصلوك فكن أنت المبادر لصلتهم ، وكن خير الفريقين ، وكن مثل رسولك صلى الله عليه وسلم الذي كان جوادا ، وكان أكثر ما يكون جوادا في رمضان ، فكان أجود من الريح المرسلة ، كما روى عنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، فاستقبل رمضان بجودك بنفسك ، وجودك بجاهك ، وجودك بمالك ، وجودك بوقتك ، فهذا هو الجود الذي كان يستقبل به رسولنا صلى الله عليه وسلم شهر رمضان ،خامسا : ونستقبل شهر رمضان بالوقاية من كل ما يخدشه ، ويشينك فيه ، فمن العار أن تستقبل شهرا كرمضان ، وأنت تصومه صياما " مرّقعا" كالثوب المُرقّع" ، تخرقه بلسانك بغيبة ،أو نميمة ، أو كذب ، أو شتم لمسلم ، أو تخرقه بيدك فتقتل مسلما ، أو تعتدي عليه بها ، أو تخرقه بشهوة بطنك فتأكل حراما ، أو تقابل هذا الشهر وبطنك متخم بالحرام ، فقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : ( والصوم جُنَّةٌ ما لم يخرقها) ، رواه أحمد والنسائي وغيرهما، فلا تخرق صيامك ، لأن خرقك الصيام هو سوء استقبال لشهر رمضان ، وقد قال مجاهد رحمه الله: خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب، ورُوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: (الغيبة تخرق الصوم والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن يجيء غدا بصومه مرقَّعًا فليفعل)، فلا تكن صاحب صوم ممزق ، كثير الخروق ، لأن من عادة الناس التي تتصف بالمروءة ، أن تحسن استقبال ضيوفها باللباس الجميل ، والهندام النظيف ، والرائحة الزكية العطرة ،

الأحد، 2 مارس 2025

الإيمان والاحتساب في صيام رمضان

رقائق إيمانية
الإيمان والاحتساب في صيام رمضان
الدكتور محمد سليم محمد علي
خطيب المسجد الأقصى المبارك
كيف يصوم المسلم شهر رمضان إيمانا ؟ وكيف يصومه احتسابا ؟ وما هو الثواب المترتب على هذا الصيام بهاتين الصفتين ؟ أولا : للإجابة على السؤال نذكر الحديث الشريف ، المتفق عليه ، حيث رواه البخاري ومسلم ، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان ، إيمانا واحتسابا ، غُفرَ له ما تقدّم من ذنبه ) ، ثانيا : صيام المسلم شهر رمضان إيمانا يكون على النحو الآتي : الأول : أن تكون مؤمنا بالله تعالى ربا ، وبأنه المستحق للعبودية دون غيره من المخلوقات ، لأنه سبحانه هو الخالق ، وهو الرب الفاعل في الكون ، وعليه لا يقبل الصيام إلا من المسلم ، فلا يصحّ صيام الكافر ، ولا المشرك ، ولا المرتدّ ، وننبه هنا أنه على المسلم قبل دخول شهر رمضان ، أن يتأكد من صحّ إسلامه ، بألا يكون قد عمل عملا من الأعمال التي تخرجه من الإسلام وتجعله مرتدا عنه ، ومن الأمثلة التي نراها في المسلمين اليوم ، إعطاء المسلم ولاءه للكفار والمنافقين ، عن علم ودراية وإصرار ، وكذلك الذين يسبّ الله ، والرسول صلى الله عليه وسلم ، والدين ، والقرآن ، فمن فعل ذلك لا يقبل من صيام حتى يتوب توبة نصوحا ، الثاني : ويكون صيام شهر رمضان إيمانا ، أن يؤمن المسلم أن صيام شهر رمضان فرض من فروض الإسلام ، وركن من أركانه ، لا يتمّ إيمانه إلا بذلك مع الإيمان بكل ما أوجب الله تعالى الإيمان به ، وأن الله سبحانه قد فرض الصيام عليه في القرآن الكريم ، وعلى لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله ، وأن الإجماع منعقد على فرض الصيام ، فمن أنكر هذا الفرض عن علم كان مرتدا لا يقبل منه صيام ، ومن تهاون في صيام شهر رمضان ، أو تهاون في صيام بعض أيامه ، من غير عذر شرعي ، فهذا – والله أعلم – لا تتحقق له فضيلة المغفرة التي تكون لصائم الشهر كله ، بالشروط التي سوف أذكرها ، الثالث : ويكون صيام شهر رمضان إيمانا ،بأنه إن فرّ ط في صيامه كله أو بعضه ، فإنه يسحق العقاب من الله تعالى ، مع العلم أن الفقهاء لم يطلقوا لقب " الزنديق" إلا على من أفطر في رمضان عمدا من غير عذر مشروع ،ثالثا : أما صيام شهر رمضان احتسابا فيكون على النحو الآتي : الأول : أي طلبا لوجه الله تعالى كما قال البغوي ، فهو لا ينتظر أجرا من الناس ، أيا كان هذا الأجر ماديا أو معنويا ، وعليه من صام رمضان ، وهو ينتظر الثناء من الناس على صيامه ، أو يصومه رياء وسمعة ، مع أن هذا مستبعد في شهر رمضان ، فهذا لا يؤجر على صيامه بمغفرة ذنوبه ، الثاني : وصيام شهر رمضان عدا أنه فريضة ، فهو قربة يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى ،ولذلك فصوم شهر رمضان عبادة ، والعبادة تفتقر إلى النية ، لأن النية شرط في قبولها ، وعليه على الصائم حتى يتحقق له الصوم احتسابا أن يحرص على تبيت النية لصيام شهر رمضان المبارك ، لأن صيام الفرض لا يصحّ إلا بأن يبيت المسلم النية من الليل ، والأفضل للمسلم في شهر رمضان أن يجعل لكل يوم من أيام رمضان نيّة مستقلة كما ذهب إلى ذلك السادة الشافعية ، لأن كل يوم من أيام رمضان عبادة مستقلّة ، تحتاج إلى نيّة جديدة ( انظر : عمدة القاري للعيني : 10/274)، الثالث : ويدخل في صيام شهر رمضان احتسابا ، أن يصومه بالرضا التام ، والحب لأداء هذه الفريضة ، فإن صام شهر رمضان أو بعضه ، مكرها ، أو خجلا ، أو مستثقلا لصيامه ، أو مستطيلا لأيامه ، من غير عزيمة ورغبة ، لم يكن صيامه حينئذ احتسابا ، ولم ينل المغفرة على صيامه ، لعدم تحقق شرط الاحتساب في صيامه ، الذي ذكرت معانيه ، ( انظر المباركفوري ، مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ، 6/404) ، رابعا : فإذا صام المسلم شهر رمضان إيمانا واحتسابا ، بالمعاني التي ذكرتها سابقا ، فقد استوجب المغفرة من الله سبحانه ، ولكن هذه المغفرة ليست كل المعاصي والذنوب ، بل هي مغفرة للصغائر من الذنوب ، أما الكبائر فتجب فيها التوبة النصوح ، وكذلك حقوق العباد فلا تغفر بمجر الصيام ، بل يجب رد الحقوق إلى أصحابها حتى تغفر ذنوب المسلم ، وتبرأ ذمّته منها ، وعليه حتى يقبل صيام المسلم في شهر رمضان ، وتغفر ذنوبه كله ، يجب عليه ما يلي : أولا : صيام شهر رمضان احتسابا ، ثانيا : صيام شهر رمضان احتسابا ، بالمعاني التي ذكرناها سابقا ، ثالثا : إبراء الذمّة من حقوق العباد قبل دخول شهر رمضان ، رابعا : التوبة النصوح من الكبائر قبل شهر رمضان ، فإذا لم تتحقق هذه الأمور ، فإن صيامه يعتريه النقص ، والخلل ، ولا تغفر له ذنوبه ، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا الصيام إيمانا واحتسابا ، وأن يغفر لنا الذنوب كلها .
والحمد لله رب العالمين

السبت، 1 مارس 2025

خصائص أول ليلة من رمضان

رقائق إيمانية
خصائص أول ليلة من رمضان
الدكتور محمد سليم محمد علي
خطيب المسجد الأقصى المبارك
هذا هو اليوم الأول من أيام شهر رمضان ، ولهذا اليوم خصائص تُزيّنه ، وهي ست خصائص ، وقد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)، وهذا الحديث الشريف من الأحاديث الصحيحة التي صححها الألباني في صحيح سنن الترمذي ، فتعالوا نتعرف إلى هذه الخصائص بالتفصيل ، أولا: تصفيد الشياطين ، والتصفيد للشياطين يعني : شدّ الأغلال والسلاسل عليهم ، ولفظ الشيطان مأخوذ من شَطّنَ ، بمعني : بَعُدَ ، وسُمّيَ الشيطان شيطانا ، لبعده عن رحمة الله تعالى ، ثانيا : تصفيد المردة من الجنّ ، وهم العتاة من الشياطين ، المتفرغون للشرّ، والمتجردون له ،فهؤلاء مصيرهم في أول يوم من رمضان ، شدّ أغلالهم والسلاسل عليهم ، وفي تصفيد الشياطين والمردة منهم في أول يوم من رمضان ، تهيئة الأجواء الصالحة للصائمين ، وإعانتهم على تحقيق الحكمة المستدامة من الصيام ، طيلة شهر رمضان ، وهي التمثل بالتقوى ، فيؤدي المسلم فيه ما أمره الله به من الفرائض والواجبات ، وينتهي فيه عما حرّم الله عليه من الكبائر والصغائر ، ويبادر إلى السنن والمستحبات فيفعلها ، ويحذر من المكروهات فيحاول اجتنابها ، وهذا كله لا يكون إلا بتهيئة الأجواء الصالحة الخالية من مرض الإغواء الذي يتصدره الشيطان ، فكان تصفيده إعانة للصائم على تحقيق الحكمة من صيامه ، فلا يفسد الشيطان على الصائم صيامه ، بل تزيد طاعات الصائم ، وقربه إلى الله سبحانه بأداء الفرائض والنوافل ، فمن يقمع شهوته من الصائمين ، ويعرف للصيام حقّه ، ويحقق شروطه ، وآدابه ، وأخلاقه ، فهذا الصائم هو الذي لا يخلص الشيطان إليه ، وعلى هذا فإن تصفيد الشياطين ومردة الجن هو تصفيد معنوي ، وليس على حقيقته المعروفة ، ثالثا : إغلاق أبواب النار : وهذا يعني إغلاق طرق الشر ومسالكه ، حين يؤدي الصائم صيامه على الوجه المطلوب منه شرعا ، فكما يمسك عن الطعام والشراب والجماع ، فكذلك يمسك لسانه ، ويده ، وعينه، وأذنه ، وقدمه ، وكل جوارحه عن كل ما نهاه الله تعالى عنه ، فحينها ، تغلق في وجهه أبواب النار ، وهذا الإغلاق في هذه الحالة يكون عل حقيقته ، رابعا : فتح أبواب الجنة : لأن مفتاح الجنة : الإيمان ، والأعمال الصالحة ، والصيام عبارة عن سوق قائمة ، بضاعتها الأعمال الصالحة من كل نوع ، فالإسلام أسهمه كثيرة ، والخاسر من لا سهم له من العمل الصالح ، فكلما أكثر الصائم من التسوّق من سوق رمضان بكل عمل صالح ، كلما فتح له باب الجنة ، واتسع له بابها ، وهذا الفتح لأبواب الجنة أيضا على حقيقته ، خامسا : المنادي الذي ينادي الصائمين للمبادرة إلى تقوى الله في رمضان ، والمسابقة إلى الخيرات بعمومها ، وفي هذا النداء تذكير للغافلين من الصائمين عن فعل الخيرات ليبادروا إليها ، وتذكير للصائمين المبادرين إلى فعل الخيرات في رمضان للاستزادة منها ، لأن شهر رمضان فرصة للتزود بالطاعات ، والصالحات ، والخيرات ، فهو أيام معدودات ، ثم يرحل ،فلا ينبغي رحيله عن صائم فيه ، وهو قليل البضاعة من العمل الصالح ، وهو مفلس أو يكاد أن يكون كذلك حين رحيله عنه ، سادسا : العتق من النار ، وهذا في كل ليلة من ليالي رمضان ، وفي هذا حثٌ على العمل الصالح ، والحرص على الخير في كل يوم من أيام رمضان ، وفيه تذكير للصائمين أن أحدهم قد يموت في أي يوم من أيام رمضان ، فينبغي له دوام البعد عن الشيطان وعمله ، وعن الجنّ وشرورهم ، وأن يغلق باب النار في كل لحظة من لحظات حياته وصيامه ، باجتناب ما يوجب دخولها ، وأن يطرق أبواب الجنة ، ويديم طرقها ، بكل عمل صالح ، وفعل للخير ، فإنه إن كانت هذه حاله ، كان من الناجين من النار ومن عتقائها ، ولا ينبغي لمسلم عاقل يدخل عليه شهر رمضان ، أن تفوته هذه الخصائص ، أو بعضها ، وخصوصا أول خصلتين منها ، وهي : تصفيد الشياطين ، وتصفيد مردة الجن ، لأنه عن استطاع تصفيدها بالمعنى الذي ذكرنها آنفا ، كان ما بعدها من الخصائص في متناول يده ، لأن إغلاق باب الفتنة والشر ، الذي تقوم به الشياطين ، أساس للإيمان الحق ، وأساس لكل عمل صالح والإقبال عليه ، وأساس لاجتناب كل معصية ، وفي هذه الخصائص التي يكرم الله بها الصائمين في أول ليلة من ليالي رمضان ، إعانة من الله للصائمين على أداء الصيام كما أمر به سبحانه ، صياما يحقق التقوى ، فما أحرى الصائمين أن يغتنموا هذا الفرصة ، بكل عمل صالح ، وباجتناب كل ما لا يرضاه الله منهم ، وأن يروا الله من أنفسهم كل ما يحبه منهم ، وأن تظل هذه الخصائص ماثلة أمام أعينهم ، وفي قلوبهم ، وعلى جوارهم ، ما دام رمضان قائما .
والحمد لله رب العالمين

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More