تعديل

الجمعة، 11 نوفمبر 2016

من فقه القرآن : الوصايا العشر (3)


من فقه القرآن
الوصايا العشر (3)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
 الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس

قال الله تعالى :" قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم وبالوالدين إحسانا...."سورة الأنعام :151
 فقه المقطع القرآني وفوائده في المسائل الآتية:
 المسألة الأولى: قوله تعالى " وبالوالدين إحسانا " معطوف على جملة "ألا تشركوا به شيئا" ، وفائدة العطف تظهر في الآتي:
 أولا: لأن إيجاد الإنسان من  عدم أعظم نعم الله تعالى على العبد فوجب توحيده التوحيد الخالص من الشرك شكرا على نعمة الإيجاد التي هي أساس النعم ، ولما كان الأب والأم سببين في إيجاد الابن  اقتضى العطف ليقوم الإبن بنعمة شكر أبويه اللذين كانا سببين في إيجاده .
ثانيا: لأن الله تعالى يستحق العبادة والشكر والحمد لتربيته العباد بنعمه الجمّة التي لا تعد ولا تحصى كما قال سبحانه :" وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" ، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا أحصي ثناء عليك" ، فاقتضى العطف لأن الأبوين يحفظان الولد بحضانته وتربيته والشفقة عليك وتدبير شؤؤنه كلها فوجب على هذا الولد  أن يقابل الإحسان بالإحسان ، كما وجب على العبد أن يقابل تربية الله له  بالنعم بالعبادة والتوحيد.
ثالثا: لما كان أكثر العرب في الجاهلية يشركون بالله تعالى في ربوبيته وفي ألوهيته وفي أسمائه وصفاته ، ولما كانوا يتصفون بالجلافة  والغلظة مع آبائهم فلا يوقرون أبا أو أما إذا ضعفا أو كبرا ، عطف الله الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالنهي عن الشرك به .
رابعا: لبين الله تعالى كما أن الشرك به كبيرة من الكبائر ومن أعظم الذنوب فإن الإساءة إلى الوالدين تضاهي الشرك بالله في عظم الذنب والمعصية  وذلك ليكون أدعى إلى اجتنابه .
  المسألة الثانية: قوله سبحانه " إحسانا" مصدر ناب مناب الفعل ، وعليه يكون المعنى: أحسنوا بالوالدين إحسانا ، وفي هذا نكتة بيانية وهي أن الأمر بالإحسان إلى الوالدين يفيد النهي عن ضده وهو الإساءة إليهما فكانت الإساءة إلى الوالدين هي المقصودة بالتحريم ، قال المفسرون:" وإنما عدل عن الإساءة غلى الأمر بالإحسان اعتناء بالوالدين لأن الله سبحانه أراد برهما ، وبرهما إحسان ، والأمر بالإحسان يتضمن النهي عن الإساءة إليهما بطريق فحوى الخطاب" .
 
المسألة الثالثة: وكما ترى أخي القارىء الكريم فقد ذكرت الآية الإحسان إلى الوالدين ضمن المحرمات لأنه كما أشرت سابقا الأمر بالشيء نهي عن ضده ، قال أبو السعود في تفسيره:" والسر في ذلك المبالغة والدلالة على أن ترك الإساءة إليهما غير كاف في قضاء حقوقهما " .
 
 المسألة الرابعة: والوصية الثانية من الوصايا العشر هي الوصية بالوالدين ،والإحسان إلى الوالدين أيها الابن الحبيب لا يكون إحسانا إلا إذا اتصف بصفات وهي:
أولا : أن يكون إحسانا شاملا لكل إحسان فإن كان إحسانا ناقصا كان الولد مسيئا لأبويه ،فإحسان الأبوين  إلى الولد كان تاما وشاملا ويدل على هذا أن الولد كان لا يستقل بشؤون نفسه  فكان إحسان أبويه له كاملا حينئذ ، والإحسان يقابل بالإحسان فمن أنقص منه شيئا كان مسيئا.
ثانيا: ألا يتوانى الولد أو يتكاسل أو يبخل بجهده في بذل إحسانه لوالديه فإن فعل شيئا من ذلك كان إحسانه لهما ناقصا .
ثالثا:أن يترك كل إساءة لوالديه مهما ظنها صغيرة فإن الله تعالى يقول :" ولا تقل لهما أف" وهي أقل الإساءات وهو منهي عنها ،فإن أساء الولد لوالديه أي إساءة كانت لم يكن محسنا  إليهما.
 رابعا: ولن تكون محسنا حقا لأبويك حتى يكون الإحسان منك إليهما فطرة أعني أن يكون الإحسان منك إلى أبويك سجيّة وخلقا فيك لا تكلف فيه ، فإن كان فيه تكلف فقد يحصل منك من غير رضا ولا نيّة فكيف تؤجر عليه حينئذ وكيف تكون طائعا لله في والديك بالإحسان إليهما وأنت تحسن إليهما مكرها ؟؟؟
 
المسألة  الخامسة: والإحسان في لغة العرب يتعدى بحرفين الأول: الباء تقول: أحسن بعلي مثلا ، ويتعدى بإلى  تقول: أحسن إلى عليّ، وتعدية الإحسان بالباء أبلغ في لغة العرب ، وقد تعدى في الآية الكريمة بالباء لسببين ،الأول : لأنه أبلغ كما قلنا ، والثاني لأنه أليق بالأبوين لأن الباء للإلصاق ، فأبواك اللذان تحسن  بهما هما من يتصل بهما برك و تلتصق بهما مباشرة من غير انفصال عنك ، قال محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار :" وَلَوْ لَمْ يَرِدْ فِي التَّنْزِيلِ إِلَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وَلَوْ غَيْرَ مُكَرَّرٍ لَكَفَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى عِظَمِ عِنَايَةِ الشَّرْعِ بِأَمْرِ الْوَالِدَيْنِ، بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ وَالتَّعْدِيَةُ، فَكَيْفَ وَقَدْ قَرَنَهُ بِعِبَادَتِهِ وَجَعَلَهُ ثَانِيهَا فِي الْوَصَايَا، وَأَكَّدَهُ بِمَا أَكَّدَهُ بِهِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، كَمَا قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ فِي وَصِيَّةِ سُورَةِ لُقْمَانَ فَقَالَ: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) .
 
المسألة السادسة: ويستفاد مما ذكرناه آنفا عدة فوائد أهمها:
 أولا: أن الواجب على الأبوين وبخاصة الأب أن يربيا ابنهما على حبهما فيكبر طائعا لهما ومحسنا إليهما عن حب ، وما نراه من قسوة بعض الآباء على الأبناء في الصغر بحجة أن لهما عليه حق الطاعة غير مقبول لا شرعا ولا عرفا ، وعلى سبيل المثال بعض الآباء  يحبس ابنه في البيت فلا يسمح له بالخروج إلا إلى المدرسة ، وبعض النساء تمنع الأولاد من شرب الشاي وكافة المشروبات خوفا عليهم  من الأمراض ، وبعض الآباء يضرب ابنه ضربا مبرحا بذريعة أنه يريد تربيته ،وهذا كله يجعل الولد عاقا في كبره والمسؤولية وقتئذ على الأبوين لا على الولد.
                                                          
ثانيا: على الأولاد أن يستحضروا في نفوسهم وفي قلوبهم وفي واقعهم  أن الإحسان إلى الأبوين عبادة يؤجرون عليها إن  هم قاموا بها خير قيام ، ويعاقبون على تركها إن هم قصروا فيها ، فكما أن توحيد الله تعالى وعدم الشرك به من أعظم العبادات فكذلك الإحسان إلى الوالدين  .
 
ثالثا : مهما أحسن الولد إلى أبويه فإحسانه لهما لا يكافىء  إحسانهما  إليه ، وإذا علم الولد هذا المر وجب عليه ألا يتوانى أبدا في الإحسان إلى أبويه.
 
رابعا: لا تقدم أيها الولد طاعة زوجتك على طاعة أمك أو أبيك إذا كان في ذلك إيذاء  لهما ، وعلم زوجتك  حب أبويك والإحسان إليهما من غير إكراه فذاك أدعى إلى استجابتها إلى الإحسان إليهما والرفق بهما ، واعلم أنك أنت المأمور بالإحسان إلى أبويك وأن زوجتك مأمورة بالإحسان إليك ولا يتم ذلك إلا بالإحسان إلى أبويك ، وكما تريد من زوجتك الإحسان إلى أبويك فأحسن إلى أبويها ،  وبدل أن يكون لك أو لزوجتك أما واحدة  أو أبا واحدا ، فاجعلاهما أبوين أو أمّين حتى يعين كل منكما صاحبه على بر أبويه ، ومن الإحسان إلى أمّك أيها الولد إذا كنت متزوجا أن تعرّفها أنك أنت القوّام على زوجتك لا أمك ، وأنك أنت المؤول عن زوجتك لا هي ، فلكل منزلة و مقام لا ينبغي تجاوزه داخل الأسرة الممتدة  ليظل الإحسان يزين كل فرد فيها ..
والحمد لله رب العالمين
 

الجمعة، 4 نوفمبر 2016

من فقه القرآن : الوصايا العشر (2)


من فقه القرآن
الوصايا العشر(2)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس

  قال الله تعالى :" قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا.....ألخ"
فقه هذا المقطع القرآني وفوائده في المسائل الآتية:
المسألة الأولى:قلنا هذه  الوصايا التي أمر الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمر رسله من قبل بتلاوتها على مسامع المكلفين لأن بها نظام حياتهم وعقد وجودهم وبدونها يخلعون ثوب الإنسانية وعباءة التكريم لهم بوصفهم بشرا مكرمين من الله تعالى .
المسألة الثانية : والوصية في لغة العرب هي أن تتقدم إلى غيرك طالبا منه العمل قارنا طلبك له بالوعظ ،وقد جاءت الوصية في القرآن الكريم للناس بصور عديدة ،فأحيانا جاءت عامة للمسلمين وغيرهم من أهل الكتاب مثل قوله تعالى :" ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " ، وأحيانا جاءت خاصة للمؤمنين مثل :" يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"....
المسألة الثالثة: فالوصية تكون بين طرفين الموصي والموصى له ، والعادة في الوصية أن الموصى له منتفع بها دائما سواء كانت وصية مالية أو وصية أدبية ومعنوية أو غير ذلك ، وواجب الموصى له أن يأخذ الوصية على محمل الجدّ والاهتمام وأن يعمل بها كما جاءت ما دامت   لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية، هذا إذا كانت الوصية من إنسان  إلى إنسان فكيف إذا كانت الوصية من الله تعالى إلى المخلوق ،فحري حينئذ أن يعضّ عليها بالنواجذ.
المسألة الرابعة: والوصية الأولى من الوصايا العشر هي الوصية بتوحيد الله تعالى ونبذ الشرك بكل ألوانه وأشكاله فقال سبحانه:" ألا تشركوا به شيئا" ،و كانت هذه الوصية هي أولى الوصايا لأن بالعمل بها يكون الصلاح للناس فهي مفتاحه في الدنيا وهي مفتاح النجاة في الأخرة.
المسألة الخامسة:  وهذه الوصية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وخلوصها من شائبة الرياء وغيرها  ففِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ). وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أنس بن مَالِكٍ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُجَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصُحُفٍ مُخْتَمَةٍ فَتُنْصَبُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ أَلْقُوا هَذَا وَاقْبَلُوا هَذَا فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْنَا إِلَّا خَيْرًا فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ- وَهُوَ أَعْلَمُ- إِنَّ هَذَا كَانَ لِغَيْرِي وَلَا أَقْبَلُ الْيَوْمَ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهِي)، وقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ فَمَنْ أَشْرَكَ مَعِي شَرِيكًا فَهُوَ لِشَرِيكِي يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا خَلَصَ لَهُ وَلَا تَقُولُوا هَذَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ فَإِنَّهَا لِلرَّحِمِ وَلَيْسَ لله منها شي ...)
المسألة السادسة:قال القرطبي في تفسيره الجامع :"اذا ثَبَتَ هَذَا فَاعْلَمْ: الشِّرْكُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ وَكُلُّهُ مُحَرَّمٌ وهي:  المرتبة الأولى:اعْتِقَادُ شَرِيكٍ لِلَّهِ فِي أُلُوهِيَّتِهِ، وَهُوَ الشِّرْكُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ شِرْكُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ).  المرتبة الثانية: اعْتِقَادُ شَرِيكٍ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَوْجُودًا مَا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَقِلُّ بِإِحْدَاثِ فِعْلٍ وَإِيجَادِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ كَوْنَهُ إِلَهًا . المرتبة الثالثة: الْإِشْرَاكُ فِي الْعِبَادَةِ وَهُوَ الرِّيَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهَا لَهُ لِغَيْرِهِ. ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ)، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نتذاكر المسيخ الدَّجَّالَ فَقَالَ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عليكم عندي من المسيخ الدَّجَّالِ؟) قَالَ: فَقُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: (الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ)، وعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أن أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً) ،وعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ فَقَالَ: (هُوَ الرَّجُلُ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ يُحِبُّ أَنْ يُجْلَسَ إِلَيْهِ).
المسألة السادسة: وقَالَ سهل بن عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الرِّيَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا:أَنْ يَعْقِدَ فِي أَصْلِ فِعْلِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَيُرِيدَ بِهِ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ لِلَّهِ، فَهَذَا صِنْفٌ مِنَ النِّفَاقِ وتشكك في الإيمان.   والثاني: إذا دْخلَ فِي الشَّيْءِ لِلَّهِ فَإِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ نَشِطَ.
الثالث:أن يدَخَلَ فِي الْعَمَلِ بِالْإِخْلَاصِ وَيخَرَجَ بِهِ لِلَّهِ فَعُرِفَ بِذَلِكَ وَمُدِحَ عَلَيْهِ وَسَكَنَ إِلَى مَدْحِهِمْ، فَهَذَا الرِّيَاءُ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ سَهْلٌ :قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: الرِّيَاءُ أَنْ تَطْلُبَ ثَوَابَ عَمَلِكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا عَمَلُ الْقَوْمِ لِلْآخِرَةِ. قِيلَ لَهُ: فَمَا دَوَاءُ الرِّيَاءِ؟ قَالَ كِتْمَانُ الْعَمَلِ، قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ يُكْتَمُ الْعَمَلُ؟ قَالَ: مَا كُلِّفْتَ إِظْهَارَهُ مِنَ الْعَمَلِ فَلَا تَدْخُلْ فِيهِ إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ، وَمَا لَمْ تُكَلَّفْ إِظْهَارَهُ أَحَبُّ أَلَّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: وَكُلُّ عَمَلٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ فَلَا تَعُدُّهُ مِنَ الْعَمَلِ. وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: مَا هُوَ بِعَاقِلٍ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْرِفَ مَكَانَهُ مِنْ عَمَلِهِ "انتهى  المنقول عن القرطبي"
المسألة السابعة: والشرك في الدين نوعان  الأول: إثبات شريك لله تعالى وذلك أعظم كفر. قال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ" وقال: "وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً"
وقال: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا" . والثاني: الشِّرْكُ الصّغير وهو الرّياء والنّفاق كما قال الله تعالى:"وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«الشّرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النّمل على الصّفا»
المسألة الثامنة : بعد كل ما علمت أخي القارىء الكريم من الشرك وخطورته  يتبين لك أن قوله تعالى :" ألا تشركوا به شيئا جاء  في موضع نصب والمعنى تعالوا أتلو عليكم ألا تشركوا أي أتل عليكم تحريم الإشراك ، وقد تكون منصوبة على الإغراء فيكون المعنى : عليكم ترك الإشراك ، وفي كلا الحالتين فإن المكلف مأمور بالتوحيد ونبذ الشرك بالنهي عنه، تارة وبالإغراء تارة أخرى.
المسألة التاسعة : ويمكننا الخروج بالفوائد الآتية بعد  الذي قدمناه عن الشرك :
 
الفائدة الأولى:الشرك شركان شرك أكبر وهو عبادة غير الله تعالى ، وشرك أصغر والرياء جزء منه ،وكلاهما طريق إلى الخسران وغضب الله على العبد وحرمانه من رحمته ،وقد قال الله تعالى في الحديث القُدسي: ((أنا أغْنَى الشُّركاء عنِ الشرك، مَن عمِل عملاً أشْرَك معي فيه غيري تركتُه وشِرْكه)، فالنجاة باجتناب الشرك بأنواعه كلها.
الفائدة الثانية:من المحرمات المتعلقة بالشرك:زيارة قبور الصالحين والأولياء بقصد التوسل والاستغاثة وهذا شرك أكبر يقع به العوام وبخاصة النساء ،وفي الحديث الشريف:" واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإنِ اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضرُّوك إلا بشيء قد كتَبَه الله عليك، رُفِعت الأقلام وجفَّتِ الصُّحُف"، والحلف بغير الله تعالى كالحلف بالشرف والعرض والأم والشوارب والكعبة والنفس وغيرها وقد جاءت عديد الأحاديث تنهى عنها مثل : إن الله ينهاكم أن تحلِفوا بآبائكم، فمَن كان حالفًا فليحلفْ بالله أو ليصمت"
و"من حلف بالأمانة ليس منّا"، ومن المحرمات الشركية تعليق التمائم وهي الخرزات التي يزعم العوام أنها تذهب شر العين والجن والحسد ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من علق تميمة فقد أشرك"، والمحرمات الشركية عديدة السلامة اجتنابها والتحذير منها ...
والحمد لله رب العالمين




الأحد، 30 أكتوبر 2016

خطيب الاقصى يدعو الى متابعة قرار اليونيسكو لرفع القيود عن المسجد والقدس


خطيب الاقصى يدعو الى متابعة قرار اليونيسكو لرفع القيود عن المسجد والقدس




خطبة الجمعة 28-10-2016 لفضيلة الدكتور محمد سليم محمد علي من المسجد الاقصى المبارك

خطبة الجمعة 28-10-2016 لفضيلة الدكتور محمد سليم محمد علي من المسجد الاقصى المبارك






من فقه القرآن : الحلقة (1)

من فقه القرآن
الحلقة (1)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك
الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة
 
قال الله تعالى في سورة الأنعام :" قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "
 
فقه الآيات الكريمات وفوائدها في المسائل الآتية:
 المسألة الأولى: هذه الآيات الكريمات جمعت عشر وصايا لأمّة موسى وأمّة محمد عليهما الصلاة والسلام  ولمن سبقهما من الأمم، ولو أخذت بها أمّة موسى عليه السلام لكان فيه نجاتها في الدنيا والآخرة ولو أخذت بها أمّة محمد صلى الله عليه وسلم  لما وصل حالها إلى هذا الحال من الفردية والتبعية والدنيّة والصغار في الأرض.
المسألة الثانية: ومما يدل على أهمية هذه الآيات  قول القرطبي :"هذه الآية مفتتح التوراة :قل تعالوا أتل ما حرم ما ربكم عليكم..." وقول ابن عباس:" هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة آل عمران وأجمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ في أي ملّة" وقيل : إنها الكلمات العشر التي أنزلت على موسى . "
 
المسألة الثالثة :  أسلوب الخطاب في الآيات فيه تحفيز للمخاطبين على العمل بما حاء فيها والعض عليها بالنواجذ ، دل على ذلك عدة أمور:
الأمر الأول: الأمر المباشر للرسول محمد صلى الله وسلم بقول الله له :"قل" ، فهذا أمر إلهي لنبيه بتبليغ ما سيكون من أمر أو نهي بعده ، فهو أمر يتعلق بالتكليف الواجب على العباد الإذعان له والعمل به أمرا أو نهيا، وفيه استرعاء للأسماع.
الأمر الثاني: استنهاض الله عزّ وجلّ همم المخاطبين وعزائمهم بقوله :" تعالوا" وهذا اللفظ يعني قوموا ولا تتثاقلوا ولا توانوا واستعلوا على تثبيط الشيطان والنفس فإن لفظ "تعالوا" من العلو ولا يقال  إلا لمن كان قاعدا أن يتعالى عن مقعده ويقوم ،فأي مكلف يقرأ هذه الآيات عليه أن يتعالى عن كل مثبط عن أوامرها أو نواهيها.
الأمر الثالث: قوله سبحانه " ما حرّم" فيه تحفيز لكل مكلف فإن من طبيعة الإنسان إذا أخبر بشيء ممنوع عليه أن يتطلع إلى معرفة هذا الشيء لأن النفس لا تحب أن تحبس عن فعل شيء بعكس أمر الإنسان بشيء فإن الدافعية إلى معرفته تكون أقل من الدافعية لمعرفة ما تنهى أو تمنع منه.
الأمر الرابع: والتحفيز الرابع قوله سبحانه:"ربكم" والرب هو المربي بالنعم والفضائل ، أرأيت أخي القارىء الكريم لو أنّ إنسانا أنعم عليك ببيت فخم جاهز للسكن وأعطاك مالا يكفيك وجعل لك من يخدمك ويقوم بشأنك وأنت فقير محتاج لكل ذلك ثم قال لك  مقابل ما أعطيتك فقط أريد منك أن تمتنع عن بعض الأمور هل تعصيه ؟ بالطبع لا يعصيه إلا جاهل ، فكيف بالله تعالى الذي هو ربك الذي رباك بنعمه وآلآئه التي لا تعد ولا تحصى يطلب منك بوصفه ربا لك أن تمتنع عن بعض الأمور ألا تكون الإستجابة فورية ولا تملك إلا ـن تقول سمعا وطاعة؟؟؟
الأمر الخامس: قوله سبحانه:"عليكم" فيه تحفيز فإذا كانت "عليكم" منصوبة على الإغراء  على رأي من قال من علماء النحو بذلك كان التحفيز بالإغراء حينئذ ظاهرا ، وإذا كانت عليكم ليست للإغراء ففيها أيضا تحفيز لأن عليكم تعني أنك ملكف بهذا  وما دمت مكلفا بأمر أومنهي عنه فلا تملك إلا الفعل أو الترك أو ستكون معرضا للجزاء والعقوبة.
الأمر السادس: قوله سبحانه "أتلو" والتلاوة معناها القراءة والمتابعة ، وفي هذا اللفظ تحفيز من ناحيتين الأولى: أن التلاوة قراءة  فهناك قارىء وهناك مستمع يقرؤ عليه وله وفي هذه المشاركة بين القارىء والمستمع تشجيع للمستمع على الاهتمام بما يفرأ عليه ويستمع له، والناحية الثانية : أن التلاوة في الغة من أهم معانيها الاتباع كما قال الله تعالى في القرآن الكريم :" الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته" قال المفسرون يعني" يتبعونه حق اتباعه" ، فالتلاوة لا تعني مجرد القراءة والاستماع بل تعني الاتباع بعد المعرفة والعلم .
المسألة الرابعة: ولشيخنا العلاّمة الطاهر ابن عاشور كلام نفيس عند هذه الآيات وهو قوله:"  وَقَدِ انْقَسَمَتِ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الْجُمَلُ الْمُتَعَاطِفَةُ فِي الْآيَاتِ الثَّلَاثِ الْمُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: أَحْكَامٌ بِهَا إِصْلَاحُ الْحَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْعَامَّةِ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ مَا افْتتح بقوله: َألَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً.
الثَّانِي: مَا بِهِ حِفْظُ نِظَامِ تَعَامُلِ النَّاسِ بَعْضِهُمْ مَعَ بَعْضٍ وَهُوَ الْمُفْتَتَحُ بِقَوْلِهِ: "وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ"
الثَّالِثُ: أَصْلٌ كُلِّيٌّ جَامِعٌ لِجَمِيعِ الْهُدَى وَهُوَ اتِّبَاعُ طَرِيقِ الْإِسْلَامِ وَالتَّحَرُّزِ مِنَ الْخُرُوجِ عَنْهُ إِلَى سُبُلِ الضَّلَالِ وَهُوَ الْمُفْتَتَحُ بِقَوْلِهِ:" وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ". وَقَدْ ذُيِّلَ كُلُّ قِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِالْوِصَايَةِ بِهِ بِقَوْلِهِ: "ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"، فتدبر أخي القارىء في قول شيخنا الطاهر فإن هذه الآيات جمعت صلاح الناس كلهم أفرادا وجماعات ، صلاحا في مجتمعاتهم وصلاحا في أموالهم وصلاحا في سياساتهم وأمور حياتهم لم تتلاك من صلاحهم في الدنيا والآخرة  شيئا إلا  وذكرته أمرا أو نهيا ، وجعلت كل ذلك وصية الله لهم فأي إنسان لا يأخذ بوصية الله تعالى لا يكون إلا واحدا من اثنين إما مجنونا سقط عنه التكليف  أو عبدا لشهوته وشيطانه الذي غشّاه بغوايته وتضليله .
  المسألة الخامسة : لاحظ أخي القارىء أن صيغة التكليف  في الآيات جاءت مرة بالنهي وجاءت مرة أخرى بالأمر الصريح والمؤول ، وفي الاختلاف في صيغة الطلب أذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى إذا لزم ذكره.
 المسألة السادسة : والوصايا العشر في هذه الآيات الكريمات أذكرها مجملة ثم أفص البيان في فقهها وفوائدها بعد ذلك ، وهي
الوصية الأولى : النهي عن الشرك بالله تعالى.
الوصية الثانية: الأمر ببر الوالدين.
 ثالثا: النهي عن قتل الأولاد الفقر أو كثرة النفقة.
رابعا: النهي عن الفواحش والتحذير من الاقتراب منها ومن أسبابها.
خامسا: النهي عن القتل لأن حق الحياة محفوظ للنفس البشرية في كل الشرائع إلا بحق الله تعالى.
سادسا: النهي عن الإعتداء على مال اليتيم بكل صور الإعتداء .
سابعا:الأمر بوفاء الكيل والميزان وحرمة التطفيف فيهما.
ثامنا : الأمر بالعدل في كل الأحوال .
تاسعا: الأمر بالوفاء بالعهد مع الله تعالى وعدم نقضه.
عاشرا:الأمر  باتباع شرع الله وهو الإسلام والنهي عن التفرق في الدين واتباع الفرق الضالة.
 
 المسألة السابعة:  جعل الله تعالى الوصايا الأولى للعاقلين فقال :" لعلكم تعقلون" وجعلها في الوصايا الثانية لمن يحتاج إلى التذكير وجعلها فيما تبقى من و صايا لمن يتقي الله ، ولعل الحكمة من المغايرة هنا ما يلي :
 أولا: جاء ت الوصية لأهل العقول حين ذكر أخطر الأمور  على المجتمعات البشرية والتي عواقبها كارثية وهي الشرك والقتل وعقوق الوالدين وارتكاب الفواحش فهذ مدمرة لكل مجتمع إنساني فوجب على أصحاب العقول الوقوف عندها واجتنابها والتحذير منها ومنعها فبمنعها  حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ النسل وهي أهم الضروريات التي جاءت بها الشرائع جميعا.
ثانيا: وجاءت الوصية بالتذكير عند مال التيم والوفاء بالعهد والكيل والميزان لأن هذه الأمور تتعلق بالنفس الإنسانية ورغباتها فلا بد من جمح النفس وذلك بتذكيرها بالله وعقابه وثوابه كي يستقيم أمرها وتفلح في الدارين الدنيا والآخرة.
ثالثا: وجاءت الوصية بالتقوى حين الاختلاف في أمر الدين واتباعه وترك الفئات الضالة والمبتدعة فهذا يحتاج من الإنسان إلى التقوى أي اتقاء ما يغضب الله واجتناب مالا يحبه من عباده وهذه التقوى التي تجعل الإنسان واضعا لحاجز بينه وبين التفرقة والإنقسام في الدين الذي هو مهلك والعياذ بالله.
 
 

من فقه القرآن : أصحاب العقول المنتكسة


من فقه القرآن

أصحاب العقول المنتكسة

الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي

إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك

الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس

www.algantan.com

 

 قال الله تعالى:" إنّ  الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون" يونس : "7-6"

 

   فقه الآيتين الكريمتين وفوائدهما في المسائل الآتية:

 

    المسألة الأولى:هاتان الآيتان الكريمتان ذكرت صفات أصحاب العقول المنتكسة التي  لا ينتفعون بها في النجاة العظمى في الدارين الدنيا والآخرة ، حيث نسوا أن عقلهم مناط تكليفهم ،وأنه سبب لتمييزهم عن غيرهم من خلق الله تعالى ، وأنهم بغيره لا قيمة لهم ولا شأن ، فهل المجنون له قيمة وشأن وهل له تميز بين الناس ؟؟؟ .

المسألة الثانية: وأمّا هذه الصفات التي أدت إلى انتكاس عقول أصحابها فهي:

أولا: الكفر بالآخرة وترك العمل لها مع أن صاحب العقل  السليم  حين يستخدم نظام الاحتمالات سيصل مباشرة  إلى نتيجة هامة وهي يجب أن أعمل للآخرة، وذلك من خلال نظام الاحتمالات فيقول : يمكن أن تكون هناك آخرة ويمكن  ألا تكون ، فالأفضل لي أن أعمل للآخرة حتى إذا كانت لا أخسر حينها الجنة والنجاة من النار لكن لو كفرت فستكون مصيبة المصائب حينئذ ،وهذا ما دعا الله إليه الناس فقال سبحانه: " وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر" ، يعني ببساطة ماذا سيخسر من يؤمن بالله واليوم الآخر، لن يخسر شيئا إلا انتكاسة عقله...

ثانيا: الرضا بالحياة الدنيا دون العمل للآخرة الصفة الثانية من صفات أصحاب العقول المنتكسة ، ويدل على انتكاسته في عقله أن الدنيا ما سميت دنيا إلا لأنها دنيّة من الدناءة فهل يرتضي العاقل أن يؤثر الدنيء على ما ليس دنيئا ؟ وأيضا  ما سميت دنيا إلا لقربها من الآخرة وأنها زائلة وأن الآخرة هي الباقية فكيف يفضل صاحب العقل الرشيد الفاني على الباقي الخالد ، أليس هذا انتكاسة في عقول من يختار الدنيا على الآخرة؟

ثالثا: الغفلة عن النظر في قدرة الله وملكوته ، وهذه الغفلة هي أكبر المفسدات للعقول ،وهي أكبر المهلكات للبشر ، وقد حذر الله منها في القرآن الكريم في عديد المواطن وذمّ من يتصف بها بل أنزلهم منزلة الحيوان لاتصافهم بها فقال سبحانه:" أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" وإني لأعجب أشد العجب ممن يحمل شهادات عليا ووصل مرحلة متقدمة من العلم والثقافة وارتكس عقله وانتكس فلم يصل إلى مرتبة ذلك الأعرابي الأمّي الجاهل الذي لا يعرف القراءة والكتابة ولكنه احترم عقله ووظّفه في  أصل وظيفته التي خلق لها وهي التكليف فاستدل على قدرة الله وعجيب صنعه حين قال بكلام بسيط ولكنه كلام علمي عميق :" البعرة تدل على البعير والقدم تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا يدل ذلك على العليم الخبير"؟؟؟

 

 المسألة الثالثة : من ارتكس عقله وانتكس واتصف بهذه الصفات الثلاثة كان مصيره النار يوم القيامة وهذه نتيجة حتمية لمن كان كذلك ، ألا ترون معي أيها السادة القرّاء أنه لو  أنّ أي موظف كان  لا يذهب إلى مكان عمله ولا يعمل بما يجب عليه من أعمال  بل يسخر ويستهزأ من طبيعة عمله ويشهّر بصاحب العمل ، هل يستحق الأجرة على وظيفته  أم يستحق الحرمان منها بل والعقاب لسخريته واستهتاره ؟ فكيف بأصحاب العقول المنتكسة ولله تعالى المثل الأعلى!!!

 

المسألة الرابعة:وأصحاب العقول المنتكسة ما انتكست عقولهم إلا لأنهم رضوا  بالحياة الدنيا فلم يعملوا عقولهم بالنظر والتفكر في حياة أخرى سوف تكون وهي أفضل وأبقى من الدنيا التي يعيشون فيها ، ورضاهم بالدنيا أغلق عقولهم فجعلهم يظنون أنّ  الدنيا تكفيهم ولا حاجة تدعوهم للنظر في الحياة الأخرى وهذه هي الانتكاسة الحقيقية للعقول فلو لم تنتكس عقولهم لعلموا وأيقنوا أن  حياتهم الدنيا ناقصة ويدل ل نقصانها زوالها وأنهم ميتون لا يخلدون فيها ويدل على نقصانها أيضا أنها حياة لا سلامة فيها ولا معافاة ولا سعادة تامة ففيها المرض والفقر والحزن والخوف ولا تخلو من الأكدار مهما سلمت للمرء فهل حياة كهذه يتمسك بها عاقل له مسكة من عقل ؟؟؟

 

المسألة الخامسة : والانتكاسة في عقول هؤلاء جعلتهم يطمئنون  لهذه الحياة بأن سكنت أنفسهم وأجسادهم إليها ، فصرفوا كل هممهم وطاقاتهم وجهودهم وأعمالهم في تحصيل ما يستطيعون من منافعها ، وعطلوا طاقاتهم وهممهم عن تحصيل ما ينفعهم في الحياة الآخرة فهم للدنيا يغضبون ولها يفرحون ويحزنون فأية عقول هذه؟ وأي بشر هؤلاء؟!!!

 

 المسألة السادسة:  وما دام هؤلاء اتخذوا الدنيا دار قرار لهم كما يظنون فإن الجزاء من جنس العمل ولهذا مكانهم الحقيقي في الآخرة نار جهنم وقد عبرت الآية عن ذلك بقول الله عز وجل :" أولئك مأواهم" والمأوى هو: مكان الرجوع  إلى مصيرهم الذي ينتظرونه بسب انتكاسة عقولهم وقد أشارت الآية إلى أن انتكاسة عقولهم هي السبب في مصيرهم الذي يؤولون إليه في الآخرة حيث الباء في قوله تعالى "بما" للسببية  والمعنى بما كسبوا كان مصيرهم النار ، وما استحقوا هذا المصير المخزي إلا لأن ديدنهم في الحياة الدنيا  هو الاتصاف بالصفات الثلاثة السابقة ودل على هذا قول الله تعالى:"كان" وقوله" يكسبون" بالمضارع للدلالة على تكرار انتكاسة عقولهم في الدنيا.

 

 المسألة السابعة: يستفاد مما سبق بيانه وتفصيله عدة فوائد أهمها:

 

  الفائدة الأولى: العقل مناط التكليف أي سببه وهو من شروط التكليف مع البلوغ ،فالعقل مكلف بعبادة الله تعالى واتباع دين الإسلام .

 

 الفائدة الثانية: الذي لا يستخدم عقله فيما ينفعه في الدنيا والآخرة مثله كالحيوان بل هو أسوأ لآن الحيوان لم يوهب عقلا كالإنسان.

 

الفائدة الثالثة: العاقل هو الذي يستثمر الدنيا ويعمرها وفق منهج الله تعالى فهو يعمل لدنياه ويعمل لآخرته وليس معنى أن يكون المرء  عاقلا أن يترك المسلم العمل للدنيا كما يظن بعض العوام  بل المسلم العاقل هو الذي يعمل لإسعاد نفسه ومن حوله في الدنيا ويتخذها وسيلة للسعادة في الآخرة.

 

 الفائدة الرابعة : الأخذ الحيطة أفضل من تركها  في كل الأمور وفي مقدمتها العمل للآخرة فالعمل لها احتياطا أفضل  بل أوجب للنجاة من شرها وعذابها ويكون ذلك بالإيمان والعمل.

 

 الفائدة الرابعة:  ليس عاقلا من مات وهو كافر بالآخرة أو لم يعمل لها .

الفائدة الخامسة: وليس عاقلا من المسلمين من سوّف وترك العمل اتكالا على رحمة الله وعفوه  فهو سبحانه كما أنه غفور رحيم فإنه شديد العقاب.

والحمد لله رب العالمين

.

 


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More