تعديل

الثلاثاء، 2 يناير 2018

من فقه القرآن : تفسير سورة الإسراء 8

من فقه القرآن
تفسير سورة الإسراء (8)
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
 إمام وخطيب المسجد الأقصى
 الأمين العام لهيئة العلماء والدعاة ببيت المقدس
www.algantan.com

   قال الله تعالى :"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم... إلى قوله :وكان الإنسان عجولا"
 فقه الآيتين الكريمتين وفوائدهما في المسائل الآتية:
المسألة الأولى:  هاتان الآيتان الكريمتان أنموذجا لأنماط العلاقة بين الله تعالى وبين الإنسان التي تدور حولها آيات القرآن الكريم كلها ، فالله هو القطب الأول في مفهوم هذه العلاقة الذي يستحق التوحيد التام والمطلق في ربوبيته وفي ألوهيته وفي أسمائه وصفاته ، فهو الآمر والناهي ، والمربي المطاع ، وأما الإنسان فهو المخلوق الذي يجب عليه أن يسير وفق التوجيهات الإلهية الربانية لكي يحقق الاستخلاف على هذه الأرض الذي  به يملك ناصية السعادة في الدنيا ، والذي به يملك ناصيتها في الآخرة ،وهاتان الآيتان كغيرها من كثير الآيات تحددان طبيعة الإنسان ونفسه وسلوكه وما يحب عليه ومصيره .
 المسألة الثانية:أما طبيعة الإنسان فتمتاز بصفات عديدة  كلها صفات سلبية لطبيعة  لطبيعة التكوين الغريزي الذي خلق عليه الإنسان ، وقد ذكرت لنا الآية واحدة منها وهي العجلة "وكان الإنسان عجولا"،  وهو هنا يؤثر العاجل على الآجل ،فهو كثير الضجر  يعجل بالدعاء عند الخير وعنج الشر وهو لا يدري أين يكون الخير وأين يكون الشر ، وأما الصفات الأخرى فقد ذكرها القرآن الكريم في مواطن عديدة ، وهي :الصفة الثانية:الضعف " وحلق الإنسان ضعيفا " ، وهي كالصفة السابقة لا صبر له عند الشهوات ، وعلى أوامر الله تعالى ، والصفة الثالثة : "الهلع" "إن الإنسان خلق هلوعا" ، فهو بخيل إذا أعطاه الله منع ، وإذا منعه الله جزع ، والصفة الرابعة: " وإذا مسه الشر كان يؤسا"، فالإنسان سرعان ما يقنط وييأس من رحمة الله لقلة صبره وضعف ثقته بربه ، والصفة الخامسة: التقتير " وكان الإنسان قتورا" ، وهي كصفة البخل ، ويتقابلها الإسراف ، وكلاهما صفتان مذمومتان في الإنسان ، والصفة السادسة: الاغترار " أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم"، والإنسان يغره شيطانه وجهله وأن الله يتجاوز عنه ، والصفة السابعة: الظلم " إن الإنسان لظلوم كفار" فهو ظالم لنفسه بكفره وشرك ومعصيته ، وظالم لغيره بالإعتداء على ماله وعرضه ودمه ، والصفة الثامنة : الجهل " وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " وهذا الذم للإنسان بهذه الصفة جاء عند حمله أمانة التكليف ، والصفة التاسعة: الخصومة " خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين "، وهذه من أسوأ صفاته السلبية الدالة على ما سبقها من صفات ،فهو يعلم أنه خلق من نطفة ماء هي المني الذي خرج من مخرج البول مرتين ، ومع هذا عندما يرى نفسه صار رجلا قويا يبارز الله تعالى بالكفر والفسوق والعصيان ، والصفة العاشرة" الجدل " وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" والجدل الخصومة بالباطل والمنازعة على سبيل المغالبة ، والصفة الحادية عشرة :الطغيان" كلا إن الإنسان ليطغى " وهو بطغيانه يصل إلى مرتبة مبارزة الله تعالى في ربوبيته وفي ألوهيته ، كما كان من فرعون ، وكما يحصل اليوم بالعقائد الفاسدة الضالة ، والصفة الثانية عشرة: الكفر" إن الإنسان لظلوم كفار " فهو يجحد نعم الله عليه ولا يشكرها بالعبادة لله تعالى، والصفة الثالثة عشرة: الكنود " إن الإنسان لربه لكنود" ، والكند هو القطع ، فهو قاطع لما يجب أن يشكره من نعم الله عليه ، والصفة الربعة عشرة: الخسر " إن الإنسان لفي خسر " فهو خاسر لتركه الإيمان والعمل الصالح .
 المسألة الثالثة: ذكرت لك أخي القارىء الكريم  صفات الإنسان السلبية هنا لهدف واحد وهو أن الله تعالى أمرنا باتباع القرآن لنكون ممن يدخل تحت قوله (عبادا لنا) الذين يتحقق على أيديهم النصر في بيت المقدس فقال " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" ، ثم بين لنا ما يجب علينا أن نسلكه لتحقيق النصر وهو الإيمان والعمل الصالح ،فقال سبحانه في صفة القرآن " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا" ، والأجر الكبير لا يكون فقط في الآخرة كما قال المفسرون بل يشمل الأجر الكبير في الدنيا ومنه تحقيق النصر على الأعداء ولا أجر أكبر في الدنيا من تحرير المسجد الأقصى ونزول الخلافة في أكنافه ،والعمل الصالح المطلوب من المسلمين لينتصروا على أعدائهم يكون باجتناب كل الصفات السلبية السابقة التي ذكرتها آنفا ، فالعمل الصالح هو أداء الواجبات كلها التي فرضها الله على الإنسان سواء حقوق لله عليه أو حقوق للعباد ،وهذا هو شرط  لتحرير المسجد الأقصى .
المسألة الرابعة : ومما يؤكد ما أقول أن بني اسرائيل ما استحقوا عقاب الله تعالى وزال ملكهم إلا لأنهم اتصفوا بهذه الصفات السلبية وذكرت آيات سورة الإسراء في أوائلها هذه الصفات ومنها العلو والإفساد ، وهما صفتان جامعتان لكل الصفات السلبية السابقة ، وذكرت الآيات أيضا صفة الشكر الممدوحة التي اتصف بها نوح عليه السلام وعكسها البخل والتقدير والكفر والحرص والظلم و....
 المسألة الخامسة: والعمل الصالح أساس القبول والرضا الرباني عن الإنسان فلا يكفي الإيمان من غير عمل ، فالإيمان هو  إعتقاد بالجنان أي القلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان وهي الجوارح فإذا اجتمعت ثلاثتها كان الإيمان المقبول الذي يكون فيه العبد المسلم في معية ربه ينصره ويحفظه و...
المسألة السادسة : جاءت الآيتان بالبشرى بالأجر لمن آمن وعمل صالحا ، وبالإنذار بالعذاب لمن أعرض عن ذلك ، وهاتان الآيتان جاءتا بعد بيان إفسادي بين إسرائيل في الأرض ، وهما بذلك تؤكدان  إنزال العقوبة ببني إسرائيل في بيت المقدس على أيادي المؤمنين عباد الله الصالحين فيها وممن ياتي إليها فاتحا ومزيلا هذين الإفسادين .
المسألة السابعة : والآيتان تؤكدان أن الله عزّ وجلّ يعد للمسجد الأقصى جيلا صفته (عبادا لنا) يملك مقومات العمل الصالح الذي ذكرناه سابقا ، وأن بين إسرائيل سيزيد إفسادهم وعلوهم كي يتحقق وعد الآخرة ، والله على كل شيء قدير .
والحمد لله ر العالمين


0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More