تعديل

السبت، 19 مارس 2016

من فقه القرآن - «فورة الدم»

من فقه القرآن - «فورة الدم»
الشيخ الدكتور محمد سليم محمد علي
خطيب المسجد الأقصى المبارك
أستاذ الفقه المقارن/ جامعة القدس
عضو الهيئة الإدارية لهيئة العلماء والدعاة في فلسطين


قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُم وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة2: 187). من فقه الاية الكريمة وفوائدها المسائل الاتية:


المسألة الاولى: قبول الدية في القتل العمد من خصائص الامة الاسلامية، فقد روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال: «كان في بني اسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الامة: {عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيْءٌ} . فالعفو: هو ان يقبل ولي المقتول الدية في القتل العمد.


المسألة الثانية: والقصاص من الاحكام التي فرضها الله تعالى، حيث قال سبحانه {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} اي: فرض.

المسألة الثالثة: والقصاص هو استسلام القاتل العمد لامر الله، والانقياد لشرعه، واذا اراده الولي لا العفو وهو مأخوذ من قص الاثر: اي اتبعه، فالقاتل الذي سلك طريقا في القتل، كأنه قص اثره فيه، ومشى على سبيله في ذلك.

المسألة الرابعة: فرض الله على ولي المقتول ان يقف عند قاتل وليه، والا يتعدى على غيره، كما كانت العرب تفعل في جاهليتها، وكما نفعل نحن في القدس واكنافها، حيث عدنا الى اخلاق الجاهلية، وتخلينا عن احكام الاسلام، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: {ان من اعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل اخذ بذهول الجاهلية}.

المسألة الخامسة: قال الشعبي وقتادة: اهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي اذا كان فيه عزة ومنعة فقتل لهم عبد، قتله عبد قوم اخرين، قالوا: لا نقتل به الا حرا، واذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها الا رجلا، واذا قتل لهم وضيع قالوا: لا نقتل به الا شريفا، فنهاهم الله عن ذلك البغي فقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ}.

المسألة السادسة: والصور السابقة التي كان عليها اهل الجاهلية، والتي نهى الله عنها، والتي جعل النبي صلى الله عليه وسلم فاعلها من الرجال العتاة المستحقين لغضب الله وعقابه في الاخرة كما في الحديث السابق، كلها موجودة في واقعنا الفلسطيني، ونجملها في الاتي: الصورة الاولى: ما يسمى ب «فورة الدم» وهي: ما يقوم به اهل المقتول في اول ثلاثة ايام من حادثة قتله، من حرق وسلب ونهب وتخريب ممتلكات واعتداء على الاعراض وترويع الاطفال والنساء والمرضى وكبار السن. ويطلق عليها في العرف العشائري ب «المهربات» او «المسربات»، لانهم كما يزعمون «فورة الدم» والنفوس تكون في حالة غضب. وموقف الشريعة الاسلامية من هذه الصورة هو:

- اولا: انها من عادات الجاهلية التي تسمى ب «الثأر» وقد ابطلها الاسلام، وحرمها. والثأر هو: ان يطلب الانسان بدم قريبه القتيل، قتل من يدركه من عشيرة القاتل، ويعتدي على كل ما تملك تلك العشيرة.
- ثانيا- جعل الاسالم المسلمين اخوة، فقال { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» وامر بالصلح بين المتخاصمين فقال: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم}.

- ثالثا: امر الاسلام المسلمين بالتعاون على الخير، والا يتعاونوا على الشر، فقال سبحانه { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وجعل التعاون على العدوان والشر، وترك التعاون على الخير سببا في عقوبة الله الشديدة، فقال في ختام الاية {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
- رابعا: امر الاسلام بردع الظالم عن ظلمه، وبرد المظلمة للمظلوم، كما جاء في الحديث «انصر اخاك ظالما او مظلوما ».

- خامسا: حرم الاسلام ان يؤخذ المسلم بذنب اخيه، فقال سبحانه «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» وجاء على لسان يوسف عليه السلام لاخوته «مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ».
- سادسا: فالثأر او «فورة الدم» امر الغاه الاسلام وانكره، وهو من العادات الجاهلية. فالشاعر الجاهلي منطقه هو: ]وما انا الا من غزية ان غـ ـوت غويت وان ترشد غزية أرشد[ واذا عرفنا ما سبق بيانه، نعلم:
اولا: ان ما يحصل من اذى وتخريب للممتلكات في «فورة الدم» حراما شرعا.
ثانيا: انه يجب على اهل القاتل في «فورة الدم» ضمان كل ما اتلفوه.

ثالثا: انه يجب على رجال الاصالح تضمين اهل القاتل كل ما اتلفوه اثناء «فورة الدم» لانه:
1-    هذا هو الحكم الشرعي في هذه المسألة:
2-    حتى يرتدع اهل القاتل عن هذه العادة الجاهلية.
3-    ولأن في احكام الاسلام العوض والخير من احكام الجاهلية.
4-     
رابعا: وسكوت رجال الاصلاح عن تضمين اهل القاتل من الامور التي لا ينبغي لهم فعلها، لأن لهم الكلمة المسموعة في هذه الخصومات.

المسألة السابعة: والصورة الثانية من صور الجاهلية في الخصومات في بلادنا، ما كان عليه اهل الجاهلية قبل الاسلام، وهم انهم يقتلون الحر بالعبد، والرجل بالمرأة، والشريف بالوضيع، اذا كان اولياء المقتول لهم منفعة وقوة.وهذا متبع عندنا فتحصيل الحقوق والمطالبة بها، يكون بحسب قوة المطالب بها ومكانة عشيرته بين العشائر! وهنا نطالب رجال الاصلاح، تصحيح هذه الاوضاع، والاخذ على يد الظالم، ورد المظلمة للمظلوم، مهما كانت منزلة وقوة عشيرة المعتدي! وباتباع الاحكام الشرعية، يكون الخير للجميع، ويقوي الله رجال الإصلاح! وارضنا عامرة بالصالحين الذين يحبون الحق والعدل، وهم معهم دائما.

المسألة الثامنة: واما القصاص، فلا يقيمه الا سلطان المسلمين وحاكمهم! ونحن في بلادنا لا سلطان لنا، يقيم علينا احكام الدين! ولهذا يرجى من اولياء المقتول، القبول بالدية ايمانا بالله واحتسابا للعوض والأجر والثواب منه سبحانه وللأسباب التالية:
- الاول: انه لا سلطان للمسلمين يقيم الحدود.
- الثاني: لا يجوز لغير الحاكم اقامة الحدود.
- الثالث: ان الله سبحانه جعل الدية بديلا عن القصاص.
- الرابع: ان الله عز وجل حثّ على العفو «فمن عفي له من اخيه شيء.. الخ ».
- الخامس: ان لهم الاجر الكبير، بالتخلي عن ع ادات الجاهلية كالثأر وف ورة الدم وغيرها.
- السادس: ان هذا يدل على شجاعة وكرم ولي المقتول، لأن الشجاع هو الذي يملك نفسه عند الغضب، ولأن الكريم هو الذي يعفو عند المقدرة على العقوبة.

المسألة التاسعة: كما ان على صاحب الدم اتباع المعروف في المطالبة بالدية، كذلك على اولياء القاتل عدم المماطلة بدفعها او تأخيرها. مع ملاحظة ان الدية مقدرة في الشريعة الاسلامية لا يجوز تجاوزها من اي طرف كان، وقد قال الله تعالى: «فمن عفي له من اخيه شيء فاتباع بمعروف واداء اليه باحسان».


المسألة العاشرة: وبسبب ضعف الايمان، والجرأة على ارتكاب جرائم القتل، فانني ارى الا يعفو اولياء المقتول عن الدية، بل يأخذوها ولا يعيدوها بعد اتمام مراسم الصلح، وكذلك في الحقوق الاخرى، لان الناس اليوم استهانوا بالدماء والاموال والاعراض وبالاعتداء عليها، حتى صار القول الدارج عندهم «كلها ثمنها فنجان قهوة ».


نسأل الله اتباع الشرع والانقياد اليه. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وذريته واتباعهم

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More